مغرب السلام

*مغرب السلام* 

 *استدعاء واشنطن… حين تُكافأ الدول المسؤولة وتُعزَل سياسات الفوضى* 

سياسي:  رشيد لمسلم

لم يكن استدعاء واشنطن لعدد من القادة العرب حدثا بروتوكوليا عابرا، ولا مجرد لقاء دبلوماسي روتيني، بل جاء في سياق سياسي بالغ الدلالة، يعكس بوضوح معايير جديدة تعتمدها الولايات المتحدة في علاقتها مع المنطقة: معيار الاستقرار، ومحاربة التطرف، والقدرة على لعب دور بناء في حفظ الأمن الإقليمي.

وفي هذا السياق، لم يكن حضور المغرب، مقابل تغييب الجزائر، تفصيلا ثانويا، بل رسالة سياسية محسوبة بدقة.

لقد أكد هذا الاستدعاء أن واشنطن باتت تميز بين نموذجين متناقضين في المنطقة المغاربية: نموذج دولة اختارت طريق السلام المسؤول، والانخراط الإيجابي في النظام الدولي، ومكافحة الإرهاب بلا ازدواجية؛ ونموذج آخر مايزال أسير منطق توظيف الأزمات، واحتضان الحركات الانفصالية، وغض الطرف عن بيئات تُنتج عدم الاستقرار وتغذي التطرف.

في هذا المشهد، يبرز المغرب كفاعل إقليمي موثوق.

فحضور المملكة في دوائر القرار الدولي ليس وليد مجاملة سياسية، بل نتيجة تراكم استراتيجي جعل منها شريكا أساسيا في قضايا الأمن، ومكافحة الإرهاب، والحوار بين الثقافات.

“مغرب السلام” ليس شعارا إعلاميا، بل خيار دولة: سلام يحمي السيادة، ويجفف منابع التطرف، ويقدم التنمية باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الراديكالية.

وقد بدا واضحا أن واشنطن، من خلال توجيه الدعوات وانتقاء الشركاء، تكافئ هذا النموذج.

فالدول التي تملك مؤسسات مستقرة، ورؤية واضحة، والتزاما فعليا بمحاربة الإرهاب، تُستدعى إلى طاولة النقاش وصناعة القرار.

أما الدول التي تستمر في إدارة الأزمات بدل حلها، وتوظف جماعات مسلحة أو انفصالية كورقة ضغط سياسي، فتجد نفسها خارج هذه الدوائر، مهما رفعت من شعارات.

إن تغييب الجزائر عن هذا الاستحقاق السياسي لا يمكن فصله عن مسار طويل من السياسات التي أثارت، وما تزال، تساؤلات دولية جدية حول دورها الإقليمي.

فاحتضان حركات مسلحة، أو توفير غطاء سياسي لكيانات خارج منطق الدولة، أو الإبقاء على مناطق خارجة عن أي رقابة قانونية فعالة، كلها عناصر تُسهم في خلق بيئة رمادية، يستفيد منها التطرف والجريمة العابرة للحدود، وتتناقض مع الالتزامات الدولية في مجال مكافحة الإرهاب.

في المقابل، يقدم المغرب نفسه كنقيض واضح لهذا المسار. فهو لا يصدر الأزمات، ولا يرعى الفوضى، ولا يبني نفوذه على زعزعة استقرار جيرانه. بل على العكس، يطرح حلولا واقعية، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي، التي حظيت باعتراف دولي متزايد باعتبارها الإطار الجاد والعملي لتسوية نزاع طال أمده بسبب حسابات سياسية ضيقة.

إن استدعاء واشنطن للقادة العرب، إذن، لم يكن مجرد لقاء، بل فرز سياسي بين منطق الدولة ومنطق الجماعات، بين السلام المسؤول والفوضى المقنّعة بالشعارات.

وفي هذا الفرز، وجد المغرب موقعه الطبيعي، بينما وجدت الجزائر نفسها أمام عزلة متزايدة، سببها خياراتها، لا مؤامرات خارجية كما يحلو لخطابها الرسمي أن يروج.

والرسالة التي يبعث بها “مغرب السلام” اليوم واضحة ولا لبس فيها:

القرن الحادي والعشرون لا يعترف بمن يراهن على عدم الاستقرار، ولا يمنح الشرعية لمن يوظف التطرف كأداة نفوذ.

إنه يكافئ الدول التي تحمي حدودها وحدود جيرانها، وتحارب الإرهاب بالفعل لا بالخطاب، وتبني السلام كخيار استراتيجي لا كورقة ظرفية.

بين استدعاء واشنطن وصمتها، تُقاس مكانة الدول.

والمغرب، مرة أخرى، كان في المكان الذي يليق بدولة اختارت السلام، فصنعت لنفسها موقعا واحتراما ودورا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*