لعفو
رشيد لمسلم
في زمنٍ تتكاثف فيه العواصف وتفيض الأودية، ويدفع المواطنون إلى الإجلاء، وتعزل المدن والقرى عن بعضها، وتهدم الممتلكات وتضيع الأرزاق، وتترك الحيوانات والبهائم لمصيرها القاسي، ينعقد مؤتمر حزبي نهاية الأسبوع الجاري، كأن ما يجري خارج القاعات مجرد تفصيلٍ عابر لا يستحق التوقف.
ليس الاعتراض هنا على العمل السياسي في حد ذاته، ولا على حق الأحزاب في التنظيم والتخطيط، بل على توقيت يفتقد إلى الحس الأخلاقي والإنساني.
فحين تتحول الكارثة الطبيعية إلى مأساة اجتماعية، يصبح الصمت تضامنا، والتأجيل موقفا، والانخراط الميداني أبلغ من كل الخطب والشعارات.
إن انعقاد مؤتمر سياسي في خضم هذه الظروف القاسية يطرح سؤالا عميقا حول مفهوم “لعفو”:
هل هو عفو عن أخطاء الماضي فقط؟
أم عفو عن الواقع المتألم، وعن أصوات المنكوبين، وعن وجع الناس وهم يبحثون عن مأوى، أو عن قوت يومهم، أو عن ماشيتهم التي جرفتها السيول؟
كان الأجدر أن يتحول هذا المؤتمر إلى فعل تضامن لا مناسبة تنظيمية، وإلى مبادرة إنسانية لا منصة خطابية. فالمواطن في لحظة الشدة لا ينتظر قرارات مؤجلة، بل حضورا فعليا ومواقف واضحة، وإحساسا بأن السياسة ما زالت مرتبطة بالإنسان، لا منفصلة عنه.
إن السياسة التي لا تُراجع أولوياتها في زمن الكوارث، ولا تُنصت لنبض الشارع حين يصرخ، تفقد معناها قبل أن تفقد ثقة الناس.
ولعلّ “لعفو” الحقيقي اليوم، ليس شعارًا يُرفع، بل اعترافٌ بأن الإنسان يجب أن يسبق التنظيم، وأن الألم العام أولى من أي أجندة حزبية.
