سيكولوجيا الهزيمة: عندما يتحول الخطاب الرسمي إلى مرآة للإفلاس الدبلوماسي
كتبها: الإعلامي أحمد الدافري
تعكس اللغة في مدرسة التحليل النفسي طبيعة التوازن الداخلي للفرد، وحين يتعلق الأمر بهرم السلطة في أي دولة، فإن المفردات المختارة تصبح مؤشرا دقيقا على نضج النظام أو انحداره نحو العزلة والارتباك.
وما تابعناه مؤخرا من خروج إعلامي لرئيس الدولة الجارة، وهو يصف دولة عربية شقيقة ومحورية بمصطلح يحمل دلالات التصغير والتحقير، هو تجلٍّ واضح لحالة من الهذيان السياسي التي تسبق الانهيار الدبلوماسي الشامل.
إن استخدام لغة تفتقر لأدنى مقومات اللباقة تجاه بلد كالإمارات العربية المتحدة، لمجرد صدق موقفها في دعم الوحدة الترابية للمغرب، يكشف عن عمق الجرح الذي أحدثته النجاحات المغربية في بنية النظام الجزائري، الذي لم يعد يجد ما يواجه به واقعية الحكم الذاتي سوى لغة السب والشتم والتحقير.
إن هذا الانحدار في مستوى الخطاب يثبت أن صانع القرار في قصر المرادية يعيش حالة من الحصار الذهني، حيث يؤدي العجز عن مجاراة الرصانة المغربية والوثائق التقنية المفصلة إلى انفجار المكبوت النفسي في صورة عدوان لفظي غير محسوب العواقب.
ففي الوقت الذي يحرص فيه المغرب على التحدث بلغة المؤسسات والقانون الدولي، يغرق الطرف الآخر في لغة الزنقة التي لا تليق برؤساء الدول، مما يعمق الفجوة بين نظام يعيش على أوهام العظمة الزائفة وبين واقع دولي يحترم القوي الهادئ والمنتج.
إن تصغير الدول الشقيقة ووصفها بالدويلات هو في حقيقته اعتراف مبطن بضآلة الدور الذي بات يلعبه هذا النظام في الساحة العربية والدولية، وهو رد فعل طفولي يحاول من خلاله تعويض خساراته الميدانية عبر انتصارات وهمية في بلاطو الصحافة.
وعلى المستوى السوسيولوجي، فإن تبني هذا الخطاب السوقي من طرف أعلى سلطة في البلاد يعطي الضوء الأخضر لتلك الجماهير التي وصفناها في مقال سابق بالمضبوعة لممارسة المزيد من الغوغائية الإعلامية، مما يحول الدولة برمتها إلى كيان وظيفي خارج عن الإجماع العربي والدولي.
إن المشكلة ليست في الكلمة في حد ذاتها، بل في الوعي الذي أنتجها، وهو وعي مأزوم يرى في كل نجاح مغربي مؤامرة كونية تستحق الشتم، مما يجعل من المستحيل بناء علاقات جوار طبيعية مع نظام لا يفرق بين الحوار الدبلوماسي وبين المشاحنات الشخصية.
إن هذا السقوط الأخلاقي هو الذي يجعل العالم ينفر من أطروحات هذا النظام، ويقترب أكثر من الوضوح المغربي، لأن الدول العظمى لا تضع ثقتها في أنظمة تدار بعقلية الانفعال اللحظي والسب العلني، بل في دول تملك الرؤية والثبات والقدرة على ضبط النفس.
وهذا ما كان.
