توفيق بوعشرين، كلام في السياسة أم سياسوية؟

توفيق بوعشرين، كلام في السياسة أم سياسوية؟

بقلم : محمد العطلاتي -طنجة

قبل أيام، واصل  توفيق بوعشرين مسلسله الكلامي، من خلال حلقة جديدة من “بودكاستاته” التي دأب على تقديمها منذ مدة تحت عنوان قار هو “كلام في السياسة”، خصّص الجزء الأكبر منها لما سمّاه: “حصيلة وزراء حزب الأصالة والمعاصرة تحت المجهر”.

ولا خلاف في أن السيد توفيق، باعتباره أولاً مواطناً مغربياً، وباعتباره ثانياً صحفياً راكم تجربة طويلة في الحقل الإعلامي وامتد صيته داخل المغرب وخارجه، يملك الحق الكامل في التعبير عن مواقفه وأفكاره وانطباعاته إزاء مختلف القضايا السياسية والفكرية، وهو حق لا ينازعه فيه أحد.

غير أن تفكيك الخطاب الذي قدّمه، وتحليل ردوده على من خالفوه الرأي، يكشف للقارئ الموضوعي أبعاداً أخرى غير تلك التي سعى إلى تقديمها لجمهوره تحت العنوان العريض والفضفاض: “كلام في السياسة”.

ومن هنا تبرز الحاجة، في إطار الوضوح المنهجي، إلى التساؤل عن المقصود بـ“الكلام”، وعن الدلالة التي تُحيل إليها كلمة “السياسة” في هذا السياق، وفق مقاربة نزعم أنها تساعد على تفكيك مضمون الخطاب “البوعشريني” والوقوف عند ما قد يعتريه من اختلالات فكرية ومنهجية.

بدايةً، إذا أردنا الوقوف على معنى “الكلام”، فلا مناص من الرجوع إلى ما ورد في متن الآجرومية لصاحبها النحوي المغربي الأمازيغي محمد بن آجروم، حيث جاء أن: “الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع”، وهو تعريف التقى معه ابن مالك في ألفيته حين قال:

كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقمْ

واسمٌ وفعلٌ ثم حرفٌ الكلِمْ

أما السياسة، فالتعريف الراجح لها هو كونها فناً لتدبير الحكم وإدارة الدولة والمجتمع، ووضع القوانين، ورسم السياسات العمومية، وضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

وانطلاقاً من هذين التحديدين، يمكن العودة إلى “كلام” السيد بوعشرين في “السياسة” بغرض تفكيكه ونقده وفق مقتضيات الموضوعية، وطرح أسئلة من قبيل:

هل التزم المتكلم بالحد الأدنى من قواعد التحليل السياسي الرصين؟ أم أنه انزلق إلى منطق الذاتية والأحكام الانطباعية؟ وهل قدّم أفكاراً قابلة للنقاش في حقل علم السياسة، أم اكتفى بتجميع انطباعات شخصية؟

ولا حاجة للتذكير، في هذا السياق، بتصنيف الفيلسوف ديفيد هيوم، أحد أعمدة المدرسة التجريبية البريطانية، لمدركات العقل إلى انطباعات ناتجة عن الخبرة الحسية، وأفكار ليست سوى صور ذهنية باهتة لتلك الانطباعات، ولا تتمتع بوجود مستقل عنها.

يستهل السيد توفيق حديثه عن حزب الأصالة والمعاصرة بتشبيه سيدة تتولى موقعاً قيادياً داخله بـ“النكّافة” و“الحرّازة”، وبنبرة صوتية لا تخلو من استهانة واضحة. وهو تشبيه ينطوي على نزعتين متداخلتين:

الأولى، إنزال امرأة تشغل موقعاً سياسياً متقدماً إلى مرتبة مهنية أدنى وفق تصورات ثقافية مسبقة؛

والثانية، التندر بوظيفة “تانكّافت” باعتبارها وظيفة نسائية في المخيال الشعبي، وهو ما يعكس تشبعاً واضحاً بنظرة باترياركية لا تخلو من دلالات تمييزية.

بعد هذه المقدمة المرتبكة، ينتقل المتكلم إلى توصيف الحزب باعتباره “حزباً هجيناً يضم بقايا اليساريين واليمينيين وأحزاب الإدارة”، وأنه أُنشئ لوقف “زحف الإسلاميين”، مستعيناً بـ“أدوات الإدارة” و“بدعة الترحال السياسي”.

ثم يخلص، استناداً إلى تأويل خاص لكلام منسوب إلى السيد فؤاد عالي الهمة، إلى القول إن الحزب قد وُقّعت شهادة وفاته السياسية.

غير أن هذه الأحكام، في مجملها، لا تتجاوز مستوى الانطباعات غير المؤسَّسة، ولا تستند إلى أدوات تحليلية واضحة أو معايير علمية قابلة للتحقق.

فحتى الرسالة التي نسبها المتكلم إلى الأمين العام السابق للحزب، حكيم بنشماش، لا يمكن، أن تُستعمل كحجة قاطعة، لأن صاحبها، في نهاية المطاف، فاعل سياسي غير معصوم من الخطأ، يخضع هو الآخر لمنطق الصراع والحسابات السياسية، خاصة أن تلك الرسالة جاءت في خضم تدافع داخلي معلن ومعلوم.

ويبلغ الخطاب ذروته حين يتحدث المتكلم عن “أخطبوط” و“شبكة” تتحكم في الحزب، دون أن يقدّم أي دليل ملموس، أو يجيب عن الأسئلة التي طرحها بنفسه حول طبيعة هذه الشبكة، وروابطها، وأسباب تحالف مكوناتها.

وهو ما يجعل هذا الكلام أقرب إلى السفسطة منه إلى التحليل السياسي الرصين.

وفي سياق الأحكام القيمية نفسها، يزعم السيد توفيق أن الحزب عاجز عن إنتاج خطاب سياسي، دون أن يحدد أصلاً ما يقصده بالخطاب السياسي.

والحال أن الوقائع الانتخابية والسياسية تفنّد هذا الادعاء، إذ لا يمكن لأي حزب أن يحقق نتائج انتخابية، أو يقود جهات وجماعات، أو يشكّل فريقاً برلمانياً وازناً، دون أن يتوفر – بصرف النظر عن تقييمنا له – على خطاب سياسي قادر على إقناع جزء من الناخبين.

ويستمر المتكلم في تحميل الحزب مسؤولية “كوارث حكومة أخنوش”، ووصم كل القرارات التي شارك فيها بكونها “غير ديموقراطية ومعادية للإصلاح ومتشددّة إزاء حرية التعبير وحقوق الإنسان”. وهي تعميمات ثقيلة، تفتقر بدورها إلى التدليل، وتطرح تساؤلاً مشروعاً:

إذا كان هذا التشدد المزعوم قد بلغ هذا الحد، فكيف أمكن للسيد بوعشرين نفسه أن يعبّر عن آرائه وانطباعاته بكل هذه الحرية؟

ختاماً، إذا عدنا إلى تعريف الكلام كما حدّده ابن آجروم وابن مالك، فإن شرط الإفادة يظل أساسياً.

والكلام الذي لا يضيف معرفة، ولا يقدّم تحليلاً مؤسساً، ولا يميّز بين الانطباع والفكرة، قد يكون مستعملاً عند الحاجة، لكنه لا يرقى دائماً إلى مستوى “الكلام في السياسة” بمعناه العلمي والدقيق.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*