لكل مقام مقال.. “المرحلة تتطلب الخبراء بدل السياسة”

لكل مقام مقال.. “المرحلة تتطلب الخبراء بدل السياسة”

 

كتبها: *عبد المجيد الفرجي

كثير من تدوينات على وسائل التواصل الإجتماعي استحسنت، او أعادت نشر صورة الوزير نزار بركة المسؤول السياسي على قطاع الماء وما جاء على لسانه في لقاء مع الصحافة حول وضعية واد المخازن والفيضانات في شمال المغرب. حيث قال الرجل بالحرف: “المرحلة 

تتطلب الخبراء بدل السياسة”.

الخبراء هنا قد نفهمها فقط في مجال الجغرافيا لكن لا بأس أن نوسع دائرة الخبراء نحو ممتهني التواصل ممن درسوا الإعلام العلمي/ البيئي وخبيروا لغة الإتصال مع القارئ أو المستمع أو المشاهد.. وهنا لا بأس أن نستدعي في هذه التدوينة/ المقالة اللغة الدارجة من باب ذكر الشيئ بالشيئ. 

 المرحلة اليوم ما بقاتش كتطلب غير خطاب سياسي، بل كتطلب خطاب علمي رصين، مبني على المعطيات الهيدرولوجية، والتحليل الجيومورفولوجي، وقراءة دينامية الأحواض المائية بعيون المختصين.

حنا في حاجة حقيقية لإعلام علمي/بيئي، تكوينا وممارسة… إعلام كيشرح للناس بلغة مفهومة ولكن دقيقة. طيلة مدة الفيضانات لم يقنعني الإعلام المغربي بأدائه في عرض المعلومة وشرح ما يحدث في الطبيعة من خلال رسومات وصور وفيديوهات توليدية ومبيانات، خاصة وأننا في زمن الذكاء الاصطناعي.

أكيد أن الإعلام المغربي لا يتوفر على تكوين أكاديمي في الإعلام العلمي، أو إعلاميين كثر متخصصين في الجغرافيا الطبيعية وعلومها المتفرعة، وهنا لا اخفيكم أن المناسبة جعلتني أحس بأهمية مادة الجغرافيا التي عادة ما كانت تعتبر كمادة ثانوية في التكوين المدرسي او حتى الجامعي بالنظر إلى ما يرصد لها على مستوى البحث العلمي.

شخصيا أتاحت لي فرصة دراسة الجغرافيا بكثير من تفرعاتها الطبيعية والبشرية، لمدة سنتين في النظام القديم “دوغ” قبل التخصص في التاريخ بجامعة محمد الخامس الرباط، وكما ذكرت كانت “فرصة” للوقوف على كثير من مصطلحات علمية تشرح علاقة الإنسان ببيئته في الجغرافيا، وهذا الأمر ليس متاحا لكل الناس، حتى يفهمون ويتفهمون ما يحدث حولهم، في طبيعتهم، من أحداث.

المواطن محتاج اليوم ليس لخطاب السيمو رئيس بلدية القصر الكبير وحده، ولكنه في حاجة لخطاب خبراء وإعلاميين مختصين ومتمكنين من مفاهيم ومصطلحات جغرافية وقادرين على عرضها وتقديمها بشكل “فرجوي”/ “استعراضي” سهل الفهم عبر الإعلام الكلاسيكي الجماهيري (التلفزيون والإذاعة والجرائد) والإعلام الجماهيري البديل (الويب). المواطن المغربي خاص يعرف:

علاش كانت كثرة الأمطار؟ وشناهوا منخفض الأصور؟ والضغط الجوي؟ واتجاهات الرياح.. بالرسم البسيط والجميل أيضا. 

شنو هو منسوب الحقينة/ المياه ديال السد؟

كيفاش كتخدم المفرغات السفلية للسد (Les vidanges de fond)؟

شنو الدور ديال المفيض السطحي (Spillway) وقنوات التصريف؟

وكيفاش كتدار عملية تدبير إطلاق المياه/تدبير صبيب المياه

 (Regulation des debits)

 باش ما يكونش ضغط هيدروليكي مفرط على جسم السد؟

شوية ديال الكرافيزم العلمي، وشوية ذكاء اصطناعي في المحاكاة البصرية، باش المواطن يشوف بعينيه كيفاش كتتحرك الكتلة المائية داخل الحوض، وكيف كيتم تفريغها بشكل تدريجي ومدروس، وفق نماذج رياضية كتحتسب معامل الجريان، حجم الواردات، وسيناريوهات الذروة المطرية.

خاصنا نفتحوا المجال لطلبة الجغرافيا الطبيعية، الفيزياء، والهندسة الهيدروليكية… علاش لا ماستر متخصص في الصحافة العلمية بالمعهد العالي للصحافة؟

حيت بزاف من المصطلحات اللي ولات كتروج دابا حول فيضانات الشمال، انجراف التربة بنواحي شفشاون، أو دينامية حوض سبو، راه جذورها في مواد علمية دقيقة:

علم المناخ (Climatology)،

الجيومورفولوجيا (Morphologie dynamique)،

الهيدرولوجيا السطحية،

الخرائط الطبوغرافية ونماذج الارتفاعات الرقمية (DEM).

باش نفهمو اللي كيوقع، خاصنا نشرحو للناس حتى السياق البنيوي:

حركة الصفائح التكتونية، تقارب الصفيحة الإفريقية مع الأوروبية، الضغط البنيوي اللي كيؤثر على تمدد جبال الريف، أو بالأحرى الإجهاد الإنضغاطي اللي كتعرفو

 وانعكاس هاد الدينامية على الأحواض المجاورة، ومنها حوض سبو اللي كيصبح مقعر بحال شي زلافة ويكلت فيه الما ويولي مرجات وهذا هو الأصل ديال المنطقة في الحقيقة، لأن المستعمر هو اللي جفف المنطقة في كثير من المرحات لأغراض إنتاجية فلاحية/استعمارية.

راه التضاريس ماشي ثابتة، والأنظمة النهرية كتتفاعل مع البنية الجيولوجية ومع تغيرات التساقطات القصوى.

بغينا نشوفو المذيع واقف وسط واد المخازن، بالكرافيك البصري التفاعلي، كيشير لمنصة المفيض، كيشرح الفرق بين التفريغ الاحترازي والتفريغ الطارئ، وكيطمئن الناس بمعطيات دقيقة:

نسبة الملء، قدرة الاستيعاب، هامش الأمان البنيوي للسد.

الاطمئنان كيجي من الفهم،

والفهم كيجي من العلم،

والعلم خاصو يوصل للناس بلا تهويل وبلا تبسيط مخل.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، المرحلة كتطلب خبراء قبل ما تطلب الجدل…

وتطلب تواصل علمي مسؤول، قبل ما تطلب الإثارة.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*