النظام الإيراني:
فصل الاستنزاف: حين تبتلع الجغرافيا أحلام الأيديولوجيا
اعده للنشر و صاغ فقراته الدكتور سدي علي ماءالعينين ،أكادير،مارس2026.
لم يكن المشهد يحتاج إلى أكثر من نظرة مجردة خلف غبار الشعارات الحماسية، ليدرك العقل العربي أن اللعبة قد تغيرت قواعدها.
لم تعد الحروب تُخاض بجيوش جرارة تزحف نحو الحدود، بل بـ “جراحة دقيقة” ومؤلمة، تستهدف رأس النظام ومفاصله الحيوية.
إنها استراتيجية “تقليم الأظافر” التي تمارسها القوى الكبرى، حيث تصوب الصواريخ نحو المنشآت النووية، والسكنات الخاصة للقادة، والقواعد العسكرية، ليس رغبة في تدمير الحجر، بل إبقاء على الهيكل الذي يطمحون لحكمه أو تطويعه غدا.
إنهم يريدون بلدا طيعاً، لا ركاما لا يصلح لشيء.
في هذه الأثناء، أطبق الحصار فكيه.
لم يعد الأمر مجرد أرقام في حسابات مصرفية مجمدة، بل تحول إلى طوق مادي شامل.
وبسبب التوترات التي طالت دول الجوار، وتلك الضربات التي وجهت سابقا نحو الخليج، ارتد السحر على الساحر؛ فأصبح النظام اليوم محاصرا بجغرافيا معادية.
برا، تقف الحدود كجدران صماء، وبحرا، اختنق معبر هرمز، وجوا، باتت السماء مسرحا لرحمة القصف ومنكشفة تماما أمام التكنولوجيا المعادية.
هنا، تبدأ المرحلة الأكثر قسوة: مرحلة الاستنزاف المرير. خطة محكمة تجبر النظام على استهلاك آخر ما في جعبته من ذخيرة في معارك دفاعية يائسة، بينما يترك المواطن الإيراني وحيدا ليواجه مصيرا أسود.
الهدف واضح وصريح: تجويع الإنسان ليدفعه الجوع نحو الانفجار الداخلي.
إنها مقامرة خطرة بآلام البشر، حيث تقف أمريكا بعيدا خلف المحيطات، وتمضي إسرائيل نحو نصر موهوم يغذيه تأويل “نصوص مقدسة” لا تأبه بحجم الخسائر البشرية.
والخوف الحقيقي، ذلك الذي يسكن قلوب العارفين بمرارة التاريخ القريب، هو أننا نسير بخطى حثيثة نحو “قدر حتمي” لا يريد أحد تكراره.
لا أحد يود رؤية الشعب الإيراني يتحول إلى أفواج تائهة من النازحين على الحدود، تستجدي لقمة العيش أو إذنا بالمرور.
لا أحد يريد أن تنزلق المنطقة مجددا في أتون صراعات طائفية قبيحة، يغذيها الحقد تحت مسميات دينية، فتشتعل النيران بين مؤيد ومعارض بينما يحترق الوطن المشترك.
إن الوعي بمرارة هذا الواقع يفرض علينا أن نرفض مسبقا تلك المشاهد التي رأيناها يوما ؛
لا نريد “محاكمات فلكلورية” انتقامية كتلك التي أعقبت سقوط بغداد، فتصفية الحسابات التاريخية لا تبني مستقبلا، بل تزرع بذور حرب قادمة.
إن قول الحقيقة المرة اليوم ليس خذلانا، وليس انحيازا للعدوان، بل هو الكشف الضروري عن العيوب الهيكلية التي تسبق دوما لحظة الهزيمة.
إن الانتصار الحقيقي ليس في الصراخ خلف الميكروفونات، بل في كسر الشعارات الجوفاء ورؤية الواقع بعيون مجردة تحمي “الإنسان” أولا، قبل أن تلتهمه نيران الأيديولوجيا.
