حين يصبح العيش رفاهية: من يقف وراء ارتفاع أسعار المواد الأساسية والأدوية؟

حين يصبح العيش رفاهية: من يقف وراء ارتفاع أسعار المواد الأساسية والأدوية؟

سياسي: رشيد لمسلم

لم يعد الغلاء مجرد ظرف اقتصادي عابر، بل تحول إلى نمط حياة يفرض نفسه على ملايين المواطنين.

في الأسواق، حيث كانت البساطة عنوانا للاستهلاك اليومي، أصبحت الأسعار تتغير بوتيرة تسبق قدرة المواطن على الفهم، فكيف بالتكيف؟ أما في الصيدليات، فالقصة أكثر حساسية، إذ لم يعد السؤال: “ما الدواء المناسب؟” بل “هل أستطيع تحمّل كلفته؟”

موجة غلاء بلا سقف واضح

اللافت في موجة الغلاء الحالية أنها لم تترك مجالا للحياد؛ كل شيء تقريبا ارتفع.

مواد أساسية كانت تُعدّ في متناول الجميع، أصبحت اليوم تستهلك بحذر.

الأسر لم تعد تخطط للادخار، بل باتت منشغلة بكيفية الصمود حتى نهاية الشهر.

هذا التحول يعكس خللًا عميقًا يتجاوز الظرفية إلى بنية السوق نفسها.

الأدوية… حين يتحول الحق إلى امتياز

إذا كان ارتفاع أسعار الغذاء يمسّ جودة العيش، فإن غلاء الأدوية يمس الحق في الحياة ذاته.

مرضى الأمراض المزمنة هم الأكثر تضررًا، إذ يجدون أنفسهم أمام معادلة قاسية: الاستمرار في العلاج أو الحفاظ على الحد الأدنى من متطلبات العيش.

الأخطر من ذلك هو اختفاء بعض الأدوية من السوق، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مقلقة حول تدبير هذا القطاع الحيوي.

من المسؤول؟ سؤال يهرب من الإجابة

السلطات تُرجع الارتفاع إلى عوامل دولية: تضخم عالمي، ارتفاع كلفة الاستيراد، اضطراب سلاسل التوريد.

وهي عوامل لا يمكن إنكارها، لكنها لا تفسر كل شيء.

فهل يعقل أن يتحمل المواطن وحده فاتورة اختلالات لا يد له فيها؟

في المقابل، تُتهم بعض الجهات الاقتصادية باستغلال الظرف لتحقيق هوامش ربح أكبر، في ظل رقابة توصف، على الأقل، بأنها غير كافية.

سوق بلا حارس أم حارس بلا صلاحيات؟

تطرح مسألة المراقبة نفسها بقوة.

فوجود قوانين دون تفعيل صارم يجعلها أقرب إلى توصيات أخلاقية منها إلى أدوات ردع.

المواطن لا يرى إلا النتيجة: أسعار ترتفع دون مبرر واضح، وجودة لا تتحسن بالضرورة، وفوارق غير مفهومة بين منطقة وأخرى.

صمت اجتماعي… إلى متى؟

رغم حدة الوضع، يظل التفاعل المجتمعي دون مستوى الغضب المتوقع.

هل هو تأقلم قسري؟ أم فقدان الثقة في جدوى الاحتجاج؟ في كلتا الحالتين، فإن استمرار هذا الصمت قد يُفهم كقبول ضمني، وهو ما قد يشجع على استمرار نفس السياسات.

البدائل الممكنة: هل من إرادة؟

الحلول ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى إرادة حقيقية.

من بين الخيارات المطروحة:

إعادة النظر في سياسات تسقيف الأسعار لبعض المواد الحيوية

دعم مباشر للفئات الهشة بدل حلول عامة غير فعالة

تشديد الرقابة على سلاسل التوزيع لمحاربة المضاربة

إصلاح عميق لمنظومة الدواء، يوازن بين الاستثمار وحق المواطن في العلاج

لكن السؤال الجوهري يبقى: هل هناك استعداد لاتخاذ قرارات قد تكون غير شعبية لدى بعض الفاعلين الاقتصاديين؟

أزمة أرقام أم أزمة ثقة؟

قد تبدو أزمة الغلاء في ظاهرها مسألة أرقام ونسب تضخم، لكنها في العمق أزمة ثقة بين المواطن ومحيطه الاقتصادي والمؤسساتي.

حين يشعر الفرد أن قدرته الشرائية تتآكل دون تفسير مقنع أو حماية كافية، فإن ذلك لا يهدد فقط مستوى عيشه، بل إحساسه بالعدالة أيضا.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع الأسعار، بل بانخفاض الإحساس بالأمان الاقتصادي.

وبين هذا وذاك، يبقى المواطن معلقا بين سؤالين: إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن، فعلا، يضع مصلحته في صلب السياسات؟

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*