تزييف الوعي: لماذا يتفوق “المطبل” في خطره على المسؤول الفاسد؟
كتبها: جمال الدين ريان
إن الفساد في جسد الإدارة والمجتمع ليس مجرد سلوك فردي ينحصر في استغلال المنصب، بل هو منظومة متكاملة لا تكتمل أركانها إلا بوجود “المطبل”؛ ذلك الشخص الذي يتطوع لتجميل القبح وشرعنة الخطأ.
وإذا كان المسؤول الفاسد يمثل الداء الذي ينهب المقدرات، فإن المطبل هو البيئة الحاضنة التي تسمح لهذا الداء بالنمو والانتشار، مما يجعله عملياً أشد خطراً وأعمق أثراً في هدم المجتمعات.
تكمن الخطورة الكبرى للمطبل في كونه أداة لتزييف الوعي الجماعي.
فالمسؤول الفاسد غالباً ما يدرك في قرارة نفسه أنه يرتكب جرماً، ويحاول إخفاءه خشية المحاسبة، أما المطبل فيقوم بنقل الفساد من دائرة “الممنوع والمستقبح” إلى دائرة “المباح والممدوح”.
هو الذي يصنع من العجز إنجازاً، ومن التخبط حكمة، مما يؤدي إلى غياب الرؤية الواضحة لدى العامة، ويجعل من الصعب التمييز بين المصلح والمفسد.
هذا التضليل الممنهج يقتل روح النقد البناء ويشلّ قدرة المجتمع على الإصلاح.
علاوة على ذلك، يمثل المطبل الحصن المنيع الذي يحمي الفاسد من التغيير أو المراجعة.
فالمسؤول، مهما بلغت سلطته، يظل بشراً يتأثر بما يسمع؛ وحين يحيط نفسه بجوقة من المهللين الذين يصورون له أن كل قراراته ملهمة، فإنه يفقد الاتصال بالواقع، ويتحول من فاسد “حذر” إلى طاغية “مطمئن”.
المطبل هنا يغتال الضمير المهني للمسؤول، ويمنحه الشعور بالحصانة الأخلاقية والشعبية، مما يطيل عمر الفساد ويجذره في مفاصل الدولة، ويجعل من استبداله أو محاسبته أمراً في غاية الصعوبة.
إن خطر الفساد المالي أو الإداري يمكن حصره وتعويضه مع مرور الزمن، لكن خطر “التطبيل” يضرب القيم الأخلاقية في مقتل. هو يعلم الأجيال القادمة أن النفاق هو أقصر الطرق للوصول، وأن الكفاءة والنزاهة لا قيمة لهما أمام مهارة التسحيج والتملق. بهذا، يهدم المطبل القدوة ويفرغ المجتمع من نخبته الحقيقية، ليحل محلها “أشباه مثقفين” و”أشباه إعلاميين” لا همّ لهم سوى إرضاء صاحب السلطة. وفي نهاية المطاف، يبقى المسؤول الفاسد مستفيداً من خلل طارئ، بينما يظل المطبل صانعاً لخلل بنيوي دائم يحول دون أي نهضة حقيقية.
