الحكم الذاتي يَقطُر المستقبل إلى الأفق الأفريقي المغربي طالع السعود الأطلسي

الحكم الذاتي يَقطُر المستقبل إلى الأفق الأفريقي المغربي

طالع السعود الأطلسي

“جنوب أفريقيا” تحقن “بوليساريو”، وفي الوقت بدَل الضائع للمُشاغبَة التي تُمارِسُها ضد المغرب، بمَصل دبلوماسي، يُمكنها، ولو من قليل شحنات، للتحرك على “طوار” المسار الدولي السيار، للحل السلمي لنزاع الصحراء المغربية.

الرئيس الجنوب الأفريقي، سيزيل رامافوزا، تقبَّل أوراق اعتماد ممثل بوليساريو لدى بلاده، في القصر الرئاسي وأمام عدَسات الإعلام، والداخلي فيها أهمُّ من الخارجي.

ولو أن المطلوب منها أن يكون صدَاها الخارجي أفعل من الداخلي.

والأرجح، أنها غير ذات جدوى لرئيس “المؤتمر الوطني الأفريقي”، لا داخليا، في صِراعه السياسي مع جاكوب زوما، مُنافِسُه السياسي الشرس، والذي سبق وأعلن من الرِّباط دعْمَه القوي لمغربية الصحراء، ولا خارجيا، لأن موَاصَلة احتضان جنوب أفريقيا لبوليساريو لن تُوقف الزخم الدولي في الاقتناع بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومؤَدَّاه، إنهاء خدمة بوليساريو وتفكيك مشروعها الانفصالي ضد المغرب.

المغربُ، منذ 1994، تاريخ الانحشار العدائي لجنوب أفريقيا في نزاع الصحراء المغربية، لم يوَلّ أي اعتبار لمساندة جنوب أفريقيا لبوليساريو، وبالأحرى اليوم… أقلقته لفترةٍ وضايَقته فترةً أخرى في المجال الأفريقي، ولكنها ما فَلَحَتْ في النَّيْل من استماتته دفاعا عن حقه الوطني الوحدوي. والحال أن استمرار جنوب أفريقيا في عِنَادها، مَحْضُ عبَث وبوليساريو في الهزيع الأخير من شعنَنَتِها. أما في الفضاء السياسي الداخلي لجنوب أفريقيا، فلست متأكدا من أن الصراع ما بين رامافوزا وزوما، تحتل فيه مُساندة بوليساريو من عدَمها، موْقعا مؤثرًا إلى حد تغليب الميْل الانتخابي الشعبي نحو أحدهما.

أصلاً، لدى كل الشعوب لم تحظَ “بوليساريو” بتأييد أو اقتناع أو حماس لمشروعها الانفصالي، وهو حال شعب جنوب أفريقيا أيضًا. فالمواقف الشعبية ظلت بعيدة عن الانخراط في هذا المشروع، رغم محاولات تقديمه كقضية أمن قومي أو أولوية سياسية، ما يعكس محدودية جاذبيته خارج نطاق الدعاية الرسمية.

 

المغرب يراكم انتصارات دبلوماسية أفريقية متتالية من كينيا إلى مالي، مؤكدا أن مقترح الحكم الذاتي يحظى بدعم متزايد ويعزز وحدة القارة واستقرارها

 

زوما يُؤاخذ على “حزب المؤتمر الوطني” كونه يضر بالمصالح الإستراتيجية لجنوب أفريقيا، من خلال تبنيه للحركة الانفصالية على حساب المغرب. والمغرب حاضر في الذاكرة الكفاحية لجنوب أفريقيا ضد النظام العنصري، وهو أيضًا واقع في الأفق المنتج لحاجات البلد من التعاون الدولي، الاقتصادي والسياسي، وبخاصة في أفريقيا.

 

أفريقيا اليوم، “تحثُّ” القرارات لدُوَلها، بوتيرة متصاعدة نحو التراجع عن انسياقها، سنة 1984، مع إغراء تلْبيس بوليساريو عضوية “منظمة الوحدة الأفريقية”. خلال يوميْن، فقط، من الأسبوع الماضي، تم الإعلان عن قراريْن هاميْن منتصريْن للحق المغربي، من دولتيْن كان لهما تمَوْقُعٌ هام في حمل “الشغب” الانفصالي ضدَّ المغرب.

 

كينيا، من شرق أفريقيا، ومن المجموعة الأنغولوفونية فيها، وهي التي كانت من المعارضين لعودة المغرب إلى “الاتحاد الأفريقي”، سنة 2017، أكّدت المساندة، وبحمَاس، لمقترح الحكم الذاتي المغربي، والذي تبناه قرار مجلس الأمن 2797.

وذلك خلال اجتماع الدورة الأولى للجنة المشتركة للتعاون المغربية – الكينية، في نيروبي.

والموقف هو تكريس لتحوُّل نوعي في علاقات كينيا مع المغرب، وقد مارسته، بالملموس، حين حل وفدٌ اقتصادي، في نوفمبر 2025، برئاسة السفيرة الكينية في الرباط، بالعيون، في الأقاليم الصحراوية المغربية، لتلمس مجالات الاستثمار فيها، تعميقا لإرادتها في تطوير علاقات التعاون مع المغرب. وقد سبق لرئيس الحكومة وزير الخارجية الكيني أن أعلن، من الرباط، في مايو 2025 عن دعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

 

واللافت اليوم، أن كينيا تُعلن “عن عزمها التعاون مع الدول التي تتقاسم وجهة النظر ذاتها لتعزيز تكريس” مقترح المغرب لحل نزاع الصحراء المغربية. إنها تنخرط في ديناميكية تنزيل القرار الدولي.

 

من الجوار الجغرافي والإستراتيجي، دوَّت مالي بقرار سحب اعترافها بدولة بوليساريو، دفعة واحدة، وهي تُعلن عن انْخراطها في ديناميكية التفعيل السياسي لقرار مجلس الأمن 2797 الخاص بالصحراء المغربية. التصريح الرسمي بهذا الموقف تم في باماكو وبحضور الرئيس الانتقالي لمالي وأمام ناصر بوريطة وزير الخارجية المغربي.

 

تُعد مالي دولة ذات موقع جغرافي حساس، ترتبط بحدود طويلة مع شمال المنطقة، حيث يتداخل النسيج القبلي والاجتماعي عبر الطوارق والأزواد. وقد شهدت علاقاتها الإقليمية تاريخًا من التفاعلات الاقتصادية والأمنية، لكنها اليوم تواجه توترًا متصاعدًا نتيجة سعيها لتأكيد قرارها السيادي في مواجهة تحديات التنمية ومخاطر النزعات الانفصالية والتهديدات الإرهابية. هذا التوتر يتقاطع مع الحضور العسكري الروسي المتنامي في مالي ومنطقة الساحل، والذي يضيف بُعدًا جديدًا إلى المشهد الإقليمي، ويثير تنافرًا مع مصالح أطراف أخرى في المنطقة. ومع اتساع هذا التنافر، يبدو أنه يتخذ شكل كرة ثلج مرشحة للتأثير على استقرار العلاقات الدولية لعقود مقبلة.

 

الزخم الدولي المتصاعد يكرّس التحول نحو الحل السلمي الواقعي حيث تتراجع بوليساريو أمام قناعة متنامية بأن السيادة المغربية هي الضمان لإنهاء النزاع نهائيا

 

القرار المالي، المنحاز للحق الوطني المغربي، يتضمَّن إرادةً قويَّة على التخفُّف من أثقال ضغوط مثبِّطات خارجية للطموحات التنموية المالية… وهي الطموحات التي فتح لها المغرب حقلا واسعا لتنمو فيه داخل إطار المبادرة الأطلسية (محورها ميناء الداخلة الأطلسي)، الموَجّهة لعموم دول الساحل والصحراء.

 

إنهما مثالان، وحسب، من “الانتفاضة” الأفريقية ضد أَسْرِ انسياقات مضادة للمغرب، أغرت بها طموحات لزعامة إقليمية. انْتابت دوَلاً، متحسسة من الإشعاع الأصيل للمغرب في أفريقيا، بمقوِّماته التاريخية، مُمكناته الاقتصادية وجدارته الإستراتيجية. إنها أفريقيا تصحو على أن المغرب مَكسب لها، لا مِعوَل ضدَّها، وأن ما يوجه ضده هو في عمقه ضدها. ضد وحدة أقطارها، وضد التَّرابُح بين دولها والتعاون لرفع تحديات التنمية وضد تمكين قدراتها في “مقارعات” التفاعل الدولي، السياسي، الاقتصادي والأمني.

 

الدبلوماسية المغربية التي يديرها الملك محمد السادس، بِبُعد نظر وبالدِّراية والتأني في استمطار فوائدها على المغرب وعلى أفريقيا، أوصلت نزاع الصحراء المغربية إلى القرار 2797 لمجلس الأمن، المؤطر للقرار الدوْلي كله.

 

وهو القرار الذي يخصب الآن الفرشة الأفريقية لتنزيله، بتضافر مع فعالية الاحتضان الأوروبي “الدافئ” له، والتعامل العربي “الأخوي” معه، وأيضًا بالحماس الأميركي، إلى جانب تفهّمات متفرقة ومتزايدة معبَّر عنها من أميركا اللاتينية وآسيا.

هذه المواقف تمثل أكثر من ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، المقتنعين بمقترح الحكم الذاتي، وكثير منهم يؤكدون دعمهم لسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية. كما أن 54 دولة سحبت اعترافها بالكيان الانفصالي في تندوف، من أصل نحو 70 دولة كانت قد اعترفت به في ثمانينات القرن الماضي في سياق مقايضات ظرفية. ليس لمجرد الحماس أو الانفعال بانتصار دبلوماسي، قرر الملك محمد السادس اعتبار يوم صدور قرار مجلس الأمن 2797، الموافق لـ31 أكتوبر، عيدًا وطنيّا للمغرب، يخلّد انتصار الإصرار المغربي على تثبيت الوحدة الوطنية.

لقد امتلك الملك من قوة الاستشعار السياسي ما يمكّنه من تقويم القرار بدقة وموضوعية.

قرارٌ بفعالية إشعاعية “نَوَويّة” دافعة للحل التاريخي، السلمي، الواقعي، العادل والمقنع للعالم.

تتراكم اليوم وقائع الانحيازات للمغرب وتأييد مَسعاه السِّلمي، مع عشرات السوابق من نفس النوع، وضمنَها افتتاح قنصليات لدُوَل أفريقية في مَدينَتيْ “العيون والداخلة” مدن الأقاليم الصحراوية المغربية. والأهم أنها تتواصل، كمًّا ونوْعًا بمواعيد هامة، من نوع الاتصالات الكثيفة لدوَلٍ أفريقية مع المغرب، وفي المغرب، والمتوَقَّعة قريبًا. دون إغفال أن المغرب عادَ ثانية لعضوية “مجلس السلم والأمن للاتحاد الأفريقي” منتَخبا بأصوات مؤيِّديه التقليديين وبأصوَات حتى مَن لم يتخلصوا بعد من “سفارات” بوليساريو لدَيْهم.

ولكنهم يفضِّلون المغرب ومنخرِطون مَعه في مَشاريع تعاون إستراتيجية، مُفيدة ثنائيا ومثمرة لعموم أفريقيا.

مثل حالة نيجيريا، وللمغرب معها مشروع أنبوب الغاز الممتد لأوروبا، وإثيوبيا، والتي تشمل طموحات التعاون بينها وبين المغرب الأسمدة والصناعة العسكرية.

الزخم الدولي المتعاظم من الانحياز الفاعل للمغرب، ويهمُّنا منه هنا محركه الأفريقي، في قضيته الوطنية وفي التفاعل معه في ممكناته وطموحاته التنموية، جاوز حد العمل على إخراج بوليساريو من الاتحاد الأفريقي… هي ماضية إلى التحلُّل في مختبر وكيمياء قرار الحل بالحكم الذاتي. بالتلقاء وبالمحصلة الموضوعية، وسيؤكد، هذا “الأبْريل” ما كان معروفا وينير ما كان مجهولا أو ما كان غُفْلاً.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*