*الأوليغارشية السياسية…. حين يتقاطع المال والنفوذ مع حدود التمثيل الديمقراطي*
*نادية واكرار*
لا تقوم السياسة، في معناها العميق, على مجرد التنافس حول المناصب أو المواقع الانتخابية بل تقوم على قدرة المجتمع على إنتاج نخب قادرة على تمثيل مصالحه والتعبير عن تطلعاته بشكل مواز لما هو منتظر…. غير أن قراءة هادئة وسطحية للمشهد السياسي في عدد من السياقات المعاصرة باستطاعتها ان تكشف عن ظاهرة كانت ولا زالت آخذة في التوسع…. يمكن وصفها بما يسميه علماء السياسة بـ *الأوليغارشية السياسية*.
وتعني بها انتقال مركز القرار من المجال العام المفتوح إلى دوائر ضيقة تتحكم فيها شبكات المال والنفوذ والعلاقات الاجتماعية…
تحول ليس طارئاً في الفكر السياسي.
فقد أشار الفيلسوف اليوناني أرسطو منذ القدم إلى أن انحراف النظام السياسي يبدأ عندما تتحول السلطة من خدمة المصلحة العامة إلى حماية مصالح فئة محدودة من الأثرياء أو أصحاب النفوذ… وفي العصر الحديث، أعاد عالم الاجتماع روبرت ميشيلز طرح هذه الفكرة من زاوية تنظيمية حين تحدث عن *القانون الحديدي للأوليغارشية*، حيث تميل الأحزاب والتنظيمات السياسية، مهما رفعت من شعارات ديمقراطية، إلى تركيز السلطة تدريجيا في يد نخبة صغيرة تتحكم في القرار والموارد والتمثيل…
من هذه الزاوية، يصبح المال السياسي عنصرا مركزيا في فهم تحولات الحقل الحزبي المعاصر… فتمويل الحملات الانتخابية، والقدرة على بناء شبكات دعم اقتصادية واجتماعية…ثم التأثير في آليات التزكية داخل الأحزاب، كلها عوامل تمنح أفضلية واضحة لفئات اجتماعية محددة دون اخرى…
كان عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو من بين من لفتوا الانتباه إلى هذه المسألة عندما تحدث عن تعدد أشكال الرأسمال داخل المجتمع: الرأسمال الاقتصادي، والرأسمال الاجتماعي، والرأسمال الرمزي. فالسلطة السياسية لا تقوم فقط على المال، بل أيضاً على شبكة العلاقات والاعتراف الاجتماعي الذي يسمح لبعض الفاعلين بالهيمنة داخل المجال العام.
الا أن المسألة لا تتعلق بالمال وحده!! ففي بعض السياقات تتقاطع هذه الدينامية مع بنى اجتماعية تقليدية تقوم على القرابة العائلية أو التضامنات المحلية.
وعندما تنتقل هذه الروابط إلى المجال السياسي، تتحول الأحزاب والمؤسسات المنتخبة أحياناً إلى فضاءات تتحرك داخلها شبكات نفوذ شبه مغلقة، حيث تصبح الانتماءات الاجتماعية أو العائلية عاملاً مؤثراً في توزيع المواقع السياسية.
وقد تناول ماكس فيبر هذه الإشكالية في تحليله لأنماط الشرعية مميزا بين الشرعية القانونية العقلانية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، والشرعية التقليدية المرتبطة بالروابط الاجتماعية والولاءات التاريخية.
فعندما تتداخل هذه الأنماط داخل النظام السياسي، قد تظهر أشكال هجينة من السلطة تجمع بين المؤسسات الحديثة ومنطق النفوذ التقليدي.
.. تحولات تنعكس بشكل مباشر على مسألة تجديد النخب السياسية. فعندما يصبح الوصول إلى التمثيل السياسي مرتبطا بالقدرة المالية أو بالانتماء إلى شبكات النفوذ، تضيق المساحة المتاحة أمام الكفاءات الشابة أو الفاعلين الاجتماعيين الذين لا يمتلكون هذه الموارد.
ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات التمثيلية، لأن المواطن قد يشعر بأن المجال السياسي لم يعد يعكس تنوع المجتمع أو طموحاته…
إن إثارة هذه الأسئلة لا تعني التشكيك في جدوى العمل السياسي أو في أهمية المؤسسات التمثيلية، بل على العكس تماماً.
فهي محاولة لإعادة التفكير في شروط الممارسة السياسية نفسها، وفي الكيفية التي يمكن من خلالها الحفاظ على التوازن بين المنافسة الديمقراطية من جهة، وضمان تكافؤ الفرص في الوصول إلى مواقع القرار من جهة أخرى.
لان الديمقراطية، في نهاية المطاف، لا تقاس بوجود الانتخابات أو بتعدد الأحزاب فقط، بل أيضا بقدرة المجتمع على إنتاج نخب سياسية متنوعة، تجمع بين الكفاءة والاستقلالية والقدرة على التعبير عن المصلحة العامة…
… عندما يصبح المال أو النفوذ الاجتماعي العامل الحاسم في تحديد من يصل إلى مواقع التمثيل، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بهدوء هو: هل ما زلنا أمام منافسة سياسية مفتوحة أم أمام تشكل تدريجي لنخبة سياسية مغلقة تعيد إنتاج نفسها داخل المجال العام؟
ربما تكمن أهمية هذا السؤال في كونه لا يخص الفاعلين السياسيين وحدهم، بل يهم المجتمع بأكمله، لأن مستقبل الحياة الديمقراطية يرتبط دائماً بمدى قدرة السياسة على ابقاء الساحة فضاء مفتوحا للكفاءة والفكرة، لا مجرد امتداد لشبكات النفوذ والمال.
