بعيدا عن السياسة ،قريبا من الروح.
خاطرة بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين أكادير ابريل 2026.
نقف أحياناً على أعتاب أرواحنا، لنتساءل في دهشةٍ عن ذلك السرّ الذي يجعلنا نختزل كوْننا الفسيح في شخصٍ واحد، فندور في فلكه كما تدور النجوم حول مركزها، متوهمين أن الحياة لا تستقيم إلا برضاه، وأن الوجود لا يكتمل إلا بكلمةٍ منه أو التفاتة.
إننا لا نُسمي هذا حباً، فالحبُّ في جوهره ضياءٌ وبصيرة، وما نحن فيه إلا هوىً أعمى يتخبط في دهاليز الوهم، يسرق منا أثمن ما نملك؛ عمرنا الذي ينفرط بين انتظارِ كلمةٍ، أو ترقبِ اعتذارٍ، أو لهفةٍ على رضا كائنٍ لا يملك لنا نفعاً ولا ضراً، حتى باتت راحتنا مرهونةً بسلامٍ هشٍ مع مَن جعلناه محوراً لوجودنا، وهو في حقيقته قيدٌ نكبل به أنفسنا عن الانطلاق في رحاب الكون.
إن هذا التعلّق ليس مجرد ميلٍ عابر، بل هو إدمانٌ صامتٌ وخطير، يتسلل إلى أعماقنا في خفاء، ليغرس في قلوبنا غشاوةً تحجب عن بصيرتنا أنوار الحق.
فنحن نتوهم أننا بخير، نمارس طقوس حياتنا ونؤدي عباداتنا بروتينٍ رتيب، بينما قلوبنا غارقةٌ في لجاجة الهوى، هائمةٌ في غير الله، فكيف تُستجاب دعواتُ القلوب الغافلة التي جعلت الخلق نداً للخالق في سويدائها؟
إن الله سبحانه، بفيض رحمته، يطلب منا قلباً خالصاً، لا قلباً منشغلاً بغيره، فالحقيقة التي يجب أن نوقن بها هي أن القلوب إذا عميت بالتعلق بالمخلوق، ضلّت طريق السكينة، وظلّت في ظلمات الغفلة تتخبط، مهما ادعت الألسنةُ الصدقَ في السؤال.
ولا بد لنا من وقفة صدقٍ مع النفس، نتحرر فيها من هذا الأسر بإرادةٍ صلبة، فالعمر أنفاسٌ معدودة، لا تُشترى بالذهب ولا تُسترجع بالأماني،
فهل يليق بنا أن نُبذر هذه الأيام في متاهات الخيالات، بينما نحن مستخلفون في هذه الأرض لعمارةٍ تليق بكرامة الإنسان؟
إن الانغماس في التفكير فيما لا واقع له، ليس إلا هروباً من مواجهة أنفسنا بواجباتنا، ومحاولةً بائسة لملء فراغٍ لا يملؤه إلا الإقبال على مَن خلقنا وصوّرنا، فكلُّ هدفٍ دون رضى الله هو هباءٌ منثور، وكل غايةٍ لا تنتهي إلى محابه هي تعبٌ يورث الندم حين لا ينفع الندم.
إن الطريق للتحرر يبدأ من إدراكنا لأولوياتنا، بأن نضع الدنيا في يدنا لا في قلوبنا، وأن نُعلي من قدر أنفسنا التي كرمها الله، فلا نبتذلها في طلب الود ممن لا يستحقه، أو الاستجداء العاطفي عند أبواب البشر.
فليكن شعارنا التبصر واليقين، ولنتعلم أن العطاء الحقيقي هو عطاء القلب لربه، والوفاء الحق هو وفاءٌ للعهد الذي قطعناه على أنفسنا بالاستقامة، فمتى ما زاحت تلك الغشاوة عن القلب، واستنار بنور التوحيد، أدركنا حينها حلاوة الطاعة، وتذوقنا لذة القرب التي تُنسينا كل ما سواها.
نسألك اللهم أن تُطهر قلوبنا من كل تعلّقٍ يشغلنا عنك، وأن تُنير بصائرنا لندرك أنك الغاية التي لا تُبتغى بعدها غاية، وأنك الأنيس الذي لا تُوحش معه وحشة.
يا مقلب القلوب، ثبّت قلوبنا على طاعتك، واجعلنا ممن استقاموا على نهجك، فاستحقوا رضاك الذي هو أسمى ما يرجوه الراجون، وأعلى ما يسعى إليه الساعون.
اللهم إننا برؤوا من حولنا وقوتنا، ونعتصم بحولك وقوتك، فاجعلنا لك كما تحب وترضى، واكتب لنا من فيضك ما يغنينا عن العالمين.
