حينما تسقط الوردة… ويسقط معها المعنى

*نصف كلمة* :

*حينما تسقط الوردة… ويسقط معها المعنى* 

 *سياسي: أبو هبة* 

في لحظات مفصلية من عمر العمل السياسي، لا تكون الوقائع مجرد أخبار عابرة، بل تتحول إلى مرايا تعكس عمق التحولات داخل الأحزاب، وتكشف المسافة بين الشعارات والممارسة.

الجدل الذي رافق إسقاط مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق البرلمانية في وقت سابق من عمر هذه الحكومة، في ملف “فراقشية الأغنام” لم يهدأ بعد، حتى انفجر معطى جديد يزيد الصورة تعقيدا، ويعيد طرح السؤال بإلحاح أكبر: ماذا يحدث داخل بيت “الوردة”؟

المعطيات المتداولة تفيد بأن عضوا في المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي شرع في إجراءات تفويت جزء من ممتلكاته لفائدة أبنائه، في توقيت حساس يتزامن مع مسار قضائي يتعلق بقضية يُشتبه في ارتباطها بتبييض الأموال. خطوة فُهمت، في نظر متابعين، كمحاولة استباقية لتفادي مصادرة محتملة لفائدة الدولة. غير أن ما جرى لاحقا يكشف أن حسابات الواقع كانت أسرع من حسابات السياسة؛ إذ تدخلت النيابة العامة، وأمرت بتجميد الحسابات البنكية المعنية، مع مباشرة مسطرة الحجز على الممتلكات العقارية والمنقولة.

قد يقول قائل إن المسار القضائي يجب أن يأخذ مجراه بعيدا عن أي توظيف سياسي، وهو مبدأ لا خلاف حوله.

لكن الإشكال لا يكمن فقط في الجانب القانوني، بل في الأثر السياسي والأخلاقي لمثل هذه الوقائع، خصوصا حين تصدر عن قيادات في حزب طالما قدم نفسه كمدافع عن النزاهة والشفافية.

هنا، تتقاطع الخيوط بشكل لافت.

حزب يساري تاريخي، يختار إسقاط مبادرة رقابية تروم كشف حقيقة ملف يهم الرأي العام، وفي الآن ذاته يجد نفسه في قلب جدل مرتبط بشبهات مالية تطال أحد قيادييه.

قد تكون الوقائع منفصلة من حيث الشكل، لكنها تلتقي في نظر المواطن عند نقطة واحدة: أزمة ثقة تتسع يوما بعد يوم.

إن أخطر ما في هذه التطورات، ليس فقط ما تحمله من شبهة أو جدل، بل ما ترسخه من انطباع بأن جزء من النخبة الحزبية لم يعد يقاس بميزان القيم التي نشأ عليها.

فكيف يمكن إقناع المواطن بجدية الخطاب حول محاربة الفساد، في وقت تتكاثر فيه المؤشرات التي توحي بعكس ذلك؟ وكيف يمكن لحزب أن يحافظ على هويته اليسارية، وهو يبدو مترددا في تبني آليات المساءلة، أو عاجزا عن تحصين ذاته من شبهات تضرب مصداقيته؟

العبارة الشعبية التي تقول “اللي فراس الجمل فراس الجمال” تختزل جانبا من هذه المفارقة؛ فمهما تعددت محاولات الالتفاف أو إعادة التموقع، تبقى الحقائق الثقيلة عصية على الإخفاء. وتدخل النيابة العامة في هذا الملف، عبر تجميد الحسابات والحجز على الممتلكات، يبعث برسالة واضحة مفادها أن منطق الإفلات من المساءلة لم يعد مقبولا كما كان في السابق.

اليوم، لا يتعلق الأمر فقط بحادثة معزولة أو موقف سياسي ظرفي، بل بمسار كامل يستدعي المراجعة. لأن الأحزاب لا تقاس فقط بخطاباتها، بل بقدرتها على الانسجام مع ذاتها، وعلى تحمل كلفة المواقف المبدئية، حتى عندما تكون غير مريحة.

السؤال الذي يظل معلقا؛ هل ما نعيشه مجرد تعثر عابر في مسار حزب عريق، أم أننا أمام تحول عميق يفقد فيه “اليسار” أحد آخر معاقله الرمزية؟ بين إسقاط لجنة لتقصي الحقيقة، وتوالي أخبار تضع القيادات تحت مجهر الشبهات، تبدو “الوردة” اليوم أمام اختبار صعب: إما أن تستعيد معناها، أو تواصل الذبول في أعين من كانوا يرون فيها أملا للتغيير.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*