إدغار موران وللا عائشة… تلك المدرسة

حديث الأربعاء 

إدغار موران وللا عائشة… تلك المدرسة

كتبها: عبد الرفيع حمضي 

قد يبدو الجمع بين إدغار موران وللا عائشة أمرا غير مألوف.

فالأول فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي من أشهر مفكري عصره، والثانية أميرة مغربية ارتبط اسمها بتاريخ تعليم المرأة المغربية وانخراطها في الحياة العامة.

غير أن خبر رحيل موران في29 ماي 2026 أعاد إلى ذهني صورة تعود إلى يوم الجمعة 6 فبراير 2004، يوم جاء إلى الرباط ليلقي محاضرة حول التربية والتعليم داخل ثانوية تحمل اسم للا عائشة.

في تلك الفترة، كان المغرب يعيش واحدة من أهم لحظات النقاش حول المدرسة ومستقبلها.

وكان الميثاق الوطني للتربية والتكوين قد فتح ورشا واسعا للإصلاح، فيما كانت الأسئلة تتزاحم حول نوع المدرسة التي يحتاجها المغرب في القرن الحادي والعشرين.

جاء موران ليشارك في هذا النقاش من زاوية مختلفة. لم يكن منشغلا بالمقررات الدراسية أو بالهندسة البيداغوجية بقدر ما كان منشغلا بوظيفة التعليم نفسها.

فقد اعتبر أن المدرسة الحديثة أصبحت تنتج كما هائلا من المعارف، لكنها لا تساعد دائما على فهم الروابط التي تجمع بينها.

لذلك دعا إلى تعليم يربط بين المعارف بدل أن يفصلها، ويعلم التلميذ كيف يفكر بدل أن يكتفي بتزويده بالمعلومات.

كان سؤاله بسيطا وعميقا في آن واحد: هل نعلم أبناءنا ماذا يفكرون أم كيف يفكرون؟

بعد أكثر من عشرين سنة، ما يزال هذا السؤال يحتفظ بكامل راهنيته.

فقد تعاقبت الإصلاحات والاستراتيجيات، وتعددت التقارير والتقييمات، لكن النقاش حول المدرسة المغربية لم يتوقف. بل لعل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي جعلا الحاجة إلى تنمية التفكير النقدي والتحليل أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

غير أن ما يمنح تلك المحاضرة دلالة خاصة ليس مضمونها فقط، بل أيضا المكان الذي احتضنها.

فثانوية للا عائشة ليست مجرد مؤسسة تعليمية عريقة بالعاصمة، بل هي جزء من ذاكرة المدرسة المغربية الحديثة. وتحمل اسم شخصية نسائية استثنائية ارتبطت بالدفاع عن تعليم المرأة المغربية وإشراكها في بناء المغرب المستقل. وقد تحولت للا عائشة، منذ خطابها الشهير بطنجة سنة 1947، إلى رمز لانفتاح المغرب على الحداثة والمعرفة.

وكان للمكان نصيبه من الدلالة.

فداخل ثانوية للا عائشة بدا وكأن التاريخ التربوي للمغرب يتحاور مع أحد أبرز المفكرين الذين انشغلوا بأسئلة المدرسة والمعرفة.

هناك التقت رمزية النهوض بالتعليم التي جسدتها الأميرة للا عائشة، مع دعوة موران إلى تجديد الفكر التربوي وتحرير العقل من النظرة التجزيئية للعالم.

ولعل هذا ما يجعل استحضار تلك اللحظة اليوم أكثر من مجرد استعادة لذكرى محاضرة.

إنه استحضار لمرحلة كان المغرب يطرح فيها أسئلة كبرى حول المدرسة والمجتمع والمستقبل، ويستدعي للمساهمة فيها أحد أبرز المفكرين في العالم.

رحلت للا عائشة سنة 2011، ورحل إدغار موران اليوم، لكن التعليم الذي دافعت عنه الأميرة، والتربية التي نادى بها الفيلسوف، ما يزالان يشكلان جزءا من الرهان المغربي على المستقبل. لأن الأولى آمنت بأن التعليم يحرر الإنسان من التهميش، فيما آمن الثاني بأن التربية تحرر العقل من التبسيط.

وبين ما يقال وما لا يقال، لا تزال المدرسة المغربية تبحث عن أفضل طريق إلى المستقبل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*