ماذا نريد اليوم من التعليم؟ وكيف نريد أن يكون؟
ذ. محمد بادرة
في قول مأثور عن جورج هاردي G. Hardy مسؤول الحماية الفرنسية في قطاع التعليم بالمغرب خلال فترة الاحتلال قال أن (انتصار السلاح لا يعني النصر الكامل.. وأن القوة تبني الامبراطوريات ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرار والدوام ..
ولذا يجب إخضاع النفوس قبل إخضاع الأبدان) انها رؤية كولونيالية تختصر وظيفة التربية والتعليم في المستعمرات الفرنسية وترسم صورة عن غايات ومرامي وأهداف التعليم الكولونيالي في مغرب الاحتلال حين عمل على توفير الشروط والظروف للانتقال والاندماج في النظام الاقتصادي الرأسمالي الاستعماري وفي اطار منهجي محكم ومنظم تظهر خلفيته السياسية الكولونيالية لأجل التحكم والسيطرة على المغاربة فكريا وايديولوجيا بعد أن تم استغلالهم ماديا والمدخل الرئيسي للاستعمار الشامل كان هو التربية والتعليم وعملا بهذا المنطق الاستغلالي والتحكمي عمل المستعمر الفرنسي على بلورة استراتيجية تقوم على تحطيم البنيات المادية والرمزية للمجتمع المغربي مما نتج عنه ظهور نخبة من الأطر والموظفين تكونت لديهم مرجعية ثقافية غربية فرنسية يقومون بدور الحماية لمصالح المستعمر وتعزيز الاقتصاد التبعي..
ولأجل تجاوز هذه السياسة التربوية الاستعمارية القائمة على التقسيم الطبقي والتمييز بين المغاربة لغويا واجتماعيا وطبقيا وسلاليا ودينيا قامت الحكومات المغربية منذ الاستقلال الى الآن بصياغة مشاريع عديدة لإصلاح المنظومة التعليمية أو بالأحرى اقامة مشروع (المدرسة الوطنية الموحدة) عبر اعادة صياغة مراميها وأهدافها بما يوافق أو يتوافق مع أسس الوحدة الوطنية المنشودة لغويا ودينيا وقوميا وحضاريا.. ويظهر ذلك من خلال رفع شعار المبادئ الأربعة المشهورة (المغربة – التعريب – التوحيد – التعميم) وهي مبادئ ستشكل فيما بعد ما يعرف بمذهبية التعليم المغربي الرامية الى تأسيس المدرسة المغربية الموحدة غير أن عدم حصول توافق وطني حول هذه المبادئ والغايات وتناقص الدور التوجيهي للتعليم وضعف الكفاية الداخلية وعدم ملاءمته مع حاجيات سوق الشغل ومع المحيط الخارجي والتطورات السريعة التي شهدها المجتمع الإنساني في مجال الاقتصاد والمال والاتصال والمعلوماتية .. أدى الى حدوث سلسلة من التراجعات وتخلف التربية والتعليم عن مواكبة التحديات المطروحة بالرغم من توالي المشاريع والمخططات والبرامج الإصلاحية (الميثاق الوطني للتربية والتكوين 1999 /- الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 /- القانون الإطار 17- 51 /- خارطة الطريق 2022-2026 ) ورغم توفير حد مقبول من الإمكانيات المادية والبشرية الّا أن هذه المشاريع الإصلاحية لم تحقق أهدافها مما زاد من تضخم الأعطاب وزاد من الاختلالات وحال دون انخراطنا في اصلاح تربوي واع بالأبعاد المختلفة للقضية التربوية بالمغرب وبالتالي حال دون النجاح في وضع رؤية ومشروع تربوي واضح المعالم والتوجهات مشروع يجعل المدرسة الحلقة الجوهرية التي تمكننا من التنمية الاجتماعية التي نصبو ونشتغل من أجلها..
وانه دون الإصلاح التربوي الشامل الذي يجعل التربية أفقا للتنمية و قاعدة لاكتساب القيم و رهانا للإبداع والابتكار لن يستقيم أمر أي اصلاح تربوي أو بناء جيل جديد يملك الطاقة والابداع.
المدرسة المغربية اليوم تعاني فقدان المرجعيات التربوية والثقافية الأساسية وشيوع أزمة قيم حادة متزامنة مع تفكك بنية الأسرة وتقلص وظائفها..
وهما مؤشران دالان على غياب مشروع مجتمعي تربوي وطني حداثي، مشروع موحّد الرؤية واضح الأهداف بارز المعالم والاستراتيجيات الكفيلة بالمساهمة في تحقيق الأهداف الموضوعة والمنتظرة من المدرسة المغربية مما تسبب في تسلسل الإخفاقات وبخاصة الإخفاقات الذاتية المتعاقبة التي منيت بها من الداخل كل من المؤسسة التعليمية ومؤسسة الأسرة وعجزهما عن حماية الرموز والقيم الحضارية والأخلاقية والوطنية أمام تغوّل القيم الجديدة، قيم العولمة ومرجعياتها التربوية مما يطرح أكثر من سؤال عن عجز مؤسساتنا التعليمية على مواكبة وتيرة التغيير التي تحدث على صعيد المجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا الحديثة وبالتالي أصبحت المدرسة المغربية عاجزة عن بث روح التجديد في الحقول الفكرية والاجتماعية أو بناء نموذج للتنمية التي نصبو ونشتغل من أجلها.
كيف اذن نريد أن يكون تعلمينا اليوم أو في المستقبل؟
سؤالان لا يطرحان ترفا أو عبثا لأننا نعيش مرحلة فارقة في التاريخ وتحولات عالمية متسارعة تتطلب تغييرا جذريا في الرؤية والممارسة التربوية بما تحمله من ثورات معرفية وتقنية واقتصادية لم تعد مجرد سياق خارجي يؤثر هامشيا في التعليم بل أصبحت مصدرا ضاغطا لإعادة بناء فلسفة جديدة للتربية والتعليم وتجديد وظيفتهما في عالم تحكمه اقتصاديات المعرفة والذكاء الاصطناعي، ومع تسارع انتاج المعرفة لم يعد التعليم القائم على التلقين السلبي والحفظ والتذكر واستقبال المعلومات وتخزينها من دون وعي ونقد قادرا على الاستجابة لمتطلبات الحياة المعاصرة وعليه يقتضي منا هذا العصر اعادة بناء نظم تعليمية جديدة وتصميم طرق بيداغوجية ومناهج دراسية حديثة تسمح على مستوى الممارسة الصفية اكتساب المتعلم كفايات تعليمية وحياتية متنوعة تمكنه من تنمية ثقافة الفضول الفكري وروح النقد والمبادرة والاجتهاد وترفع من قيمة الابداع والابتكار وصناعة النخب وتساعد على تطوير ثقافة تشاركية تربوية تعبئ الجميع (الأسرة والمدرسة) واذا لم نسارع الى تغيير فهمنا ورؤيتنا للتعليم ووظيفته فإننا نخاطر بالعيش في مراحل متأخرة من الجمود المعرفي و العجز عن مواكبة متطلبات الحضارة الحديثة.
أدت التحولات الاجتماعية وبالتالي الفكرية والثقافية والسياسية التي شهدها مجتمعنا الحديث الى تغييرات عميقة مست البنيات التربوية التقليدية مما كان له انعكاس واضح على وظيفة المؤسسات التعليمية عامة وعلى العمليات التعليمية والبيداغوجية وطرق ومناهج التدريس بصفة خاصة، وهكذا تم تجريب مقاربات تربوية وبيداغوجية عديدة وبدون نتائج ملموسة ومن ذلك: (اعتماد بيداغوجيات الكفايات – الإدماج – بيداغوجيا التحكم- البيداغوجية التصحيحية..) وغيرها من المقاربات التي منها من تخاطب في التلميذ مكوناته الوجدانية أو الحركية أو الفكرية دون الاقتصار على عقله وذاكرته ومنها من تراعي الفوارق بين المتعلمين ومنها من تهتم بالتلميذ وتعمل على أن تنمي لديه قدرات النقد والابداع ومنها من تعتني بدوافع وحوافز التعلم خصوصا في جانبه السيكولوجي باعتبارها ركنا أساسيا من أركان النشاط التعليمي كما أن منها من تهدف الى تنمية المهارات والسلوكات عند المتعلم كتنمية الحس النقدي وامتلاك آليات الملاحظة والاستكشاف والاستقصاء والتمييز والتقييم والنقد بغرض غرس الطاقات المبدعة وتنميتها عند المتعلم … لكن كلها مقاربات ينظر اليها من الزاوية الكمية أو من باب الاستئناس بها الى أن “ينجح” التلميذ في الامتحان !!!
رغم هذا الغنى في المقاربات البيداغوجية وفي تنوع المفاهيم التربوية وطرق التدريس الا أنه يبقى التعلم البنائي من بين أنماط التعلم الاساسية التي ترتكز على تنمية القدرات العقلية للمتعلم وتحويله من متلق للمعرفة الى منتج لها فنحن نعيش مرحلة حضارية انتقالية تتجه نحو الثورة الصناعية الرابعة التي جعلت من العقل البشري محور التنمية وأساس التقدم بوصفه المورد الحقيقي للحضارة ولذا جاء الذكاء الاصطناعي ليعمق هذه الفلسفة ويوجه العالم نحو الاستثمار في العقل الإنساني بوصفه طاقة انتاجية قادرة على الابتكار والتغيير.1
1- تعليم اليوم يجب أن يكون عملية تفاعلية مستمرة تركز على مهارات المستقبل (التفكير النقدي – الابتكار- الابداع ..) مع ضرورة ادخال استراتيجيات وطرق تدريس جديدة في الفصل الدراسي لتحسين التحصيل المعرفي وتعزيز التعلم الجيد للجميع واعتبار الابتكار في التدريس استجابة طبيعية للتحديات اليومية التي يواجهها الفصل الدراسي المتطور باستمرار ومن فوائد استخدام طرق التدريس المبتكرة: تعزيز حل المشكلات -التفكير النقدي- تشجيع الابداع والبحث- تعزيز المهارات الذاتية والعملية (التعليم القائم على المشاريع)- استخدام التكنولوجيا لتقديم مسارات تعليمية تلبي احتياجات وقدرات كل تلميذ مما يتيح التعلم في أي وقت ومن أي مكان.
2- تعليم اليوم يجب أن يؤسس فرص نجاح التعليم المستقبلي المرتكز بشكل كبير على تزويد المتعلمين بالمهارات الأساسية للقرن الواحد والعشرين مثل تدريس الروح النقدية- تعلم كيفية قيادة العقل– تعميم الذكاء الاصطناعي والذكاء العاطفي والذكاء الرقمي وغيرها من المهارات العلمية والتقنية التي أضحت مكونا اساسيا في العمليات التعليمية الجديدة وجزءا لا يتجزأ من جميع مراحل التعليم (ان استخدام الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المدرسين في تحليل أداء المتعلمين وتحديد نقط القوة والضعف مما قد يساهم في تحديد التخصص المناسب لكل تلميذ وتوجيه المسارات التعليمية..)
3- تعزيز المناهج الدراسية بوحدات التعلم الرقمية واثرائها بوحدات تعليمية تفاعلية لتعزيز التعلم الذاتي وجعل المتعلم فاعلا وشريكا نشيطا في العملية التعلمية بدل أن يكون مجرد متلق سلبي وهو ما سيمكن المتعلم من قياس مستواه ذاتيا باستخدام نظام التصحيح والتقييم الرقمي كما يمكّن التعليم الرقمي المدرس من قياس مستوى أداء تلامذته في كل وحدة على حدة وفي المنهج ككل، كما أن استخدام المستحدثات التكنولوجية من البنية الأساسية للشبكات والأنترنيت والهواتف الذكية يحفز المتعلم على الإبداع والتوجيه الذاتي ويسهل عليه الوصول الى المعلومة وتوظيفها والاستفادة منها ويخلق بيئة محفزة لبناء مهارات الابداع والابتكار والمشاركة الاجتماعية وتنمية الثقافة الفكرية والتواصل الفعال بين عناصر العملية التعليمية.
4- استبدال أساليب “المحفوظاتيات” و”الحفظ عن ظهر القلب” والترديد والامتثال والاستظهار.. استبدالها بطرق تعليمية تقوم على الاستقصاء والاكتشاف والتحليل والعمل الجماعي لإنتاج المعرفة..
مثل هذه النماذج التعليمية التفاعلية تنمي التفكير النقدي وتعزز الفهم المتعدد التخصصات وتنمي الفضول والابداع وتبني وتعلم مهارات الحياة وتحفز حب التعلم مدى الحياة كما تعزز النمو الاجتماعي والعاطفي، والمدرس في مثل هذه الوضعيات البيداغوجية يتحول من ملقن للمعلومات الى مرشد يساعد التلميذ في البحث والتحليل وتطوير شخصيته وهذا هو سر تفوق النظام التعليمي في اليابان. على سبيل المثال اذا واجه الطفل الياباني مشاكل في حياته الأسرية أو في علاقته مع محيطه المدرسي أو في الشارع وحين يتم تقديمه للشرطة أو المحكمة يتم الاتصال أولا بمدرسته وبمدرسه أساسا لأنه على علم ودراية بمعالم شخصيته وسلوكه واضطرابات نموه الجسدية والنفسية والعقلية.. لذلك فالمدرسون في الأنظمة التربوية الجيدة يعملون على تطوير الثقافة التشاركية ويصنعون مع تلامذتهم مشاريع مبتكرة تسرع مسارهم الدراسي والمهني وتحتاج المؤسسات التعليمية الى مراجعة مناهجها بشكل دوري لتواكب متطلبات الحياة الجديدة والتركيز على المهارات الحياتية وعلى المهارات الشخصية لبناء جيل يتمتع بالذكاء العاطفي والقدرة على التكيف مع التغيرات السريعة.
هذا التوصيف لا يعد أمرا معقدا في الحياة لتعليمية للفرد متى توفرت بيئة تعليمية فاعلة قائمة على اثارة التساؤل وتشجيع الاستقصاء وتوفير فرص الحوار والتجريب الى جانب وجود منظومة منهجية بنائية تصمم المحتوى والأنشطة وفق تسلسل معرفي يراعي طبيعة البناء العقلي للمتعلم.. وفي هذا السياق يتجلى الدور المحوري للمدرس لا بوصفه ناقلا للمعرفة بل مسيرا لعملية التعلم ومخططا واعيا لمواقف تعليمية تحفز التفكير وتوجه المتعلمين نحو بناء معرفتهم بأنفسهم وتحقق في الوقت ذاته الاهداف التعليمية المنشودة.
اننا نريد من تعليم اليوم أن يكون تفاعليا يسعى للابتعاد عن التلقين أو ما سماه باولو فريري (التعليم البنكي) الذي ينحصر دور التلميذ فيه في الحفظ والتذكر واعادة ما يسمعه من دون أن يتعمق في مضمونه انما فقط يستقبل المعلومات ويخزنها وكأنه بنك للإيداع.
ان تعليم اليوم الذي نطمح اليه هو الذي يكسب الفرد مهارات التفكير النقدي ومهارات الاتصال وحل المشكلات والعمل الجماعي ومهارات الابداع والمهارات العقلية العليا والقدرة على التكيف مع التطورات السريعة.
ذ. محمد بادرة

