الفن في رحاب حروب متوهجة بين الوصف والمواكبة الإيديولوجية والسياسية …قراءة في النموذج المغربي.
هو زمن اصبحت التجاذبات الإيديولوجية والتقلبات السياسية، والحروب والتزامات بكل انواعها تحكم… لم يعد الفن بذلك الفضاء النقي و الحر الذي يترفع عن الصراعات ويحتكم فقط إلى الجمال والحقيقة الإنسانية.
فقد أصبح الفن، وبشكل متزايد جزءا من معركة رمزية خفية يستخدم فيها للتأثير وللمواءمة ولإعادة تشكيل الوعي الجماعي وفق رغبات القوى المتنفذة.
المقلق في هذا التحول ليس فقط فقدان الفن لاستقلاليته المعهودة، بل تحوله تدريجيا إلى ضحية مباشرة لابتزاز سياسي وإيديولوجي، لا يترك له مساحة للحياد ولا فرصة للصمت أو الرفض.
لطالما حمل الفن عبر العصور رسائل السلام وفتح نوافذ التأمل وسمح للإنسان بأن يعبّر بحرية عن أحلامه ومخاوفه وتناقضاته.
لكنه في واقعنا الراهن، وخصوصا في السياق المغربي، لم ينج من محاولات الترويض والتدجين حيث تتدخل السياسة في اختيارات الفنان، وتفرض عليه مواقف أو اصطفافات لا علاقة لها بالإبداع.
أصبحت بعض الأصوات تكافأ لا لجودتها الفنية بل لمدى خضوعها للمشهد العام أو انسجامها مع خطاب السلطة أو اللوبيات الثقافية المتحكمة.
وهكذا، بدل أن يكرّم الفنان الصادق يقصى أو يهمّش في حين يدفع إلى الواجهة من يجيدون اللعبة لا من يجيدون الفن.
هذا التسلل الإيديولوجي لم يكن سياسيا فقط بل اتخذ طابعا اجتماعيا استهلاكيا.
كذلك، حيث تغيّرت نظرة المجتمع إلى الفن واختزل في كثير من الأحيان إلى شهرة زائفة على المنصات الرقمية أو مشاركة عابرة في “حدث” لا يحمل أي مضمون فني حقيقي.
ومع هذا التحول، تزايد حضور الدخلاء على الساحة الفنية، ممن لا يملكون لا تجربة ولا حسًا ولا رؤية، وإنما تسلّقوا على أكتاف التفاهة والولاءات والعلاقات. هؤلاء لم يساهموا فقط في تشويه صورة الفن، بل أساؤوا إليه عبر الأداء الفارغ، والاستعراض المجاني، وتحويل الفن إلى واجهة اجتماعية أو وسيلة للتربّح لا غير.
أما المؤسسات التي كان من المفروض أن تحمي المجال الثقافي وتدافع عن جودته، فقد وقفت عاجزة أو صامتة، وأحيانًا شريكة في هذا التدهور.
فالدعم يُوزّع على غير مستحقيه، والفرص تُمنح لمن يتقنون المهادنة، بينما تُقصى الطاقات الأصيلة، ويُرهب أصحاب المواقف الفنية الحرة.
ورغم هذا المشهد المقلق، يظل الفن في جوهره، أداة مقاومة راقية.
فحتى وسط التهديد والابتذال والتفاهة لا يزال هناك من يبدعون في الظل ويكتبون ويرسمون ويغنون بروح عالية، يرفضون أن يُجرّوا إلى مستنقع الاستعمال السياسي أو إلى سوق التفاهة.
هؤلاء هم من يحملون مشعل الفن المغربي الحقيقي، الذي يتنفس من ذاكرة هذا الشعب، ويقاوم من أجل الحفاظ على هويته وكرامته.
إن إنقاذ الفن المغربي من هذا المنعطف لا يتطلب فقط رفض التوظيف السياسي أو التنبيه لمخاطر التدهور، بل يستدعي كذلك مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يعيد الاعتبار للعمق والصدق، ويحمي الإبداع من المتسللين، ويفتح أمام الفنانين الحقيقيين المساحة ليقولوا كلمتهم كاملة، بحرية وكرامة. فالفن، حين يترك ليتنفس بعمق، لا يصنع الجمال فقط… بل يصنع الإنسان.
نادية واكرار
