قصة قصيرة:
عبد السلام الهبيل
بقلم: عبدالهادي بريويك
في مدينة مشرع بلقصيري، حيث تختلط حكايات الناس بأصوات الأسواق ورائحة الحقول المجاورة، عاش رجل اسمه عبد السلام، لكن أحدا لم يكن يناديه باسمه الكامل. كان الجميع يعرفه بلقب “عبد السلام الهبيل”.
لم يكن هبله من النوع الذي يثير السخرية أو الاحتقار، بل كان هبلا غريبا يختلط بالحكمة حتى يعجز الناس عن التمييز بينهما.
كان طويل القامة، هادئ النظرات، يمشي بخطوات واثقة كأنه يعرف طريقا لا يراه غيره.
وإذا جلس في مقهى أو عند باب دكان، جلس بوقار يفرض الاحترام دون أن يطلبه.
لم يكن عبد السلام متسولا كما يظن الغرباء. كان يقصد أشخاصًا بعينهم، يعرفهم ويعرفونه، فيسلم عليهم ويحادثهم قليلا، ثم يقبل منهم ما يكفيه لقضاء يومه فقط.
فإذا زاد شيء عن حاجته احتفظ بالقليل ورد الباقي إلى محتاج آخر، أو وضعه في يد فقير لا يعرفه أحد.
وكان يقول: “الجوع ضيف، أما الطمع فهو الذي يسكن الدار”.
ضحك الناس من عباراته كثيرا، لكنهم كانوا يكتشفون بعد حين أن في كلامه معنى أعمق مما ظنوا.
لم يكن يملك بيتا فخما ولا مالا كثيرا، لكنه كان يملك راحة لا يملكها كثير من الأغنياء. فإذا سأله أحدهم لماذا لا يعمل أو يجمع المال للمستقبل، ابتسم وقال:
“ومن ضمن لي المستقبل حتى أجمع له؟ أنا أعيش يومي، فإذا جاء الغد فله رزقه.”
وكان الأطفال يلتفون حوله ليسمعوا حكاياته العجيبة، بينما يجلس الكبار قريبا منهم متظاهرين بالانشغال، وهم في الحقيقة ينصتون لكل كلمة.
مرت السنوات، وتغيرت المدينة، ورحل كثير من أهلها، لكن صورة عبد السلام الهبيل بقيت عالقة في الذاكرة المحلية. لم يترك وراءه ثروة ولا أملاكا، بل ترك شيئا أثمن: سيرة رجل بسيط علم الناس أن الكرامة لا تحتاج إلى مال، وأن القناعة كنز حقيقي، وأن الحكمة قد تسكن أحيانا في قلب من يظنه الجميع أحمق.
