عندما تتحول الخيانة إلى تجارة: هشام جيراندو نموذجاً
سياسي : الرباط
ليست كل الخيانات تُرتكب في الظلام، فبعضها يُرتكب أمام الشاشات، على مرأى ومسمع من الجميع، تحت شعارات زائفة وعناوين براقة تخفي وراءها مشروعا قائما على التشهير والابتزاز وتسميم الوعي الجماعي.
وحين يصبح الوطن مجرد مادة للاسترزاق، وتتحول معاناة الناس إلى وقود لمحتوى رخيص، فإن الأمر يتجاوز حدود الانحراف الفردي ليصبح اعتداء مباشرا على القيم التي تحفظ تماسك المجتمع واستقرار الدولة.
لقد دأب هشام جيراندو، وفق ما هو متداول في ملفات وقضايا معروضة أمام القضاء، على تقديم نفسه في صورة الضحية الأبدية، بينما تشير الوقائع إلى محاولات متكررة لقلب الحقائق وتضليل الرأي العام كلما ضاقت دائرة المساءلة القانونية من حوله.
فبدل مواجهة الأسئلة الصعبة بالحجج والوثائق، يلجأ إلى صناعة المظلومية وتوزيع الاتهامات وافتعال المعارك الوهمية، وكأن الضجيج يمكن أن يكون بديلا عن الحقيقة.
وآخر حلقات هذا الأسلوب ما رُوّج له بشأن “اعتقال والدته”، في محاولة واضحة لاستدرار التعاطف وإثارة العواطف. غير أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن الأمر يتعلق بإجراءات بحث قضائي عادي تأمر به النيابة العامة في إطار التحقيقات الجارية.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي قبل القانوني: إلى أي حد يمكن للإنسان أن يذهب في توظيف أقرب الناس إليه ” أمه ” كدروع إعلامية للهروب من الوقائع والأسئلة المحرجة؟
إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس فقط ما قد تسببه من ضرر للأفراد المستهدفين، بل ما تخلقه من مناخ عام قائم على الشك والكراهية وفقدان الثقة.
فالتشهير ليس رأيا، والابتزاز ليس معارضة، ونشر الادعاءات دون أدلة ليس حرية تعبير.
إنها أدوات هدم ممنهج تضرب سمعة الناس وتستهدف المؤسسات وتغذي الفوضى تحت غطاء زائف من البطولة.
لقد اعتاد بعض تجار الإثارة الرقمية الاعتقاد بأن عدد المشاهدات يمكن أن يعوض نقص المصداقية، وأن الصراخ أعلى من صوت الحقيقة، وأن منصات التواصل تمنح حصانة ضد القانون.
لكن الوقائع تثبت في كل مرة أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تختفي، وأن العدالة قد تسير بهدوء، لكنها تصل في النهاية إلى وجهتها.
الوطن ليس ساحة للابتزاز، ولا منصة لتصفية الحسابات الشخصية، ولا سوقا لبيع الإشاعات.
الوطن عقد أخلاقي بين أبنائه، ومسؤولية جماعية تقتضي الصدق والنزاهة واحترام القانون.
ومن يجعل من الإساءة إلى بلده ومؤسساته وأبنائه وسيلة لبناء الشهرة أو جمع المكاسب، فإنه لا يمارس نقدا ولا معارضة، بل يساهم في تقويض الأسس التي يقوم عليها الاستقرار والثقة العامة.
قد ينجح البعض في صناعة الضجيج لبعض الوقت، وقد يتمكن من خداع جزء من الجمهور لبعض الوقت، لكن أحدا لا يستطيع خداع الجميع إلى الأبد. وحين تنقشع سحب الدعاية السوداء، لا يبقى سوى سجل الأفعال، ولا يبقى من حملات التضليل إلا أثرها المؤلم في حياة الضحايا وفي ذاكرة المجتمع.
إن ثمن الخيانة للوطن لا يُقاس بما يجنيه أصحابها من شهرة عابرة أو أرباح مؤقتة، بل بما يخسرونه من شرف ومصداقية واحترام.
وعندما يسقط القناع، يكتشف الجميع أن من قدّم نفسه بطلا لم يكن سوى تاجر أوهام، وأن من ادّعى الدفاع عن الحقيقة كان أول من فرّ منها.
