بونو ورفاق دربه… حين ينتصر الإنسان، ولماذا نعجز عن الانتصار على الفقر الاجتماعي؟
سياسي : رشيد لمسلم
ليست كرة القدم مجرد تسعين دقيقة و الوقت البدل الضائع، من الركض خلف الكرة، وليست انتصارات المنتخب الوطني مجرد أرقام تضاف إلى سجل الإنجازات.
ففي بعض اللحظات، تتحول الرياضة إلى مرآة تعكس ما يستطيع الإنسان المغربي أن يحققه عندما تتوفر له الرؤية، والتكوين، والثقة، والبيئة التي تحتضن موهبته.
هذا ما فعله ياسين بونو ورفاق دربه.
لم يمنحوا المغاربة فرحة عابرة، بل قدموا درسا بليغا في معنى النجاح.
أثبتوا أن الطريق إلى القمة لا يعبد بالشعارات، وإنما يبنى بالصبر والانضباط والعمل المتواصل والإيمان بأن المستحيل كلمة مؤقتة أمام الإرادة.
وحين نحتفل بهم، فإننا لا نحتفي بأحد عشر لاعبا فقط، وبمدربه وهبي والطاقم التقني، بل نحتفي بفكرة.
فكرة تقول إن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخيب.
فالإنجاز لم يولد في ليلة، ولم يكن ضربة حظ، بل كان ثمرة سنوات من الإعداد، واكتشاف المواهب، والاحتراف، واحترام الكفاءة.
لكن السؤال الذي يطرق أبواب الضمير الوطني يظل حاضرا بإلحاح: إذا كنا قادرين على صناعة أبطال يرفعون راية المغرب في أكبر المحافل، فلماذا لا ننجح بالقدر نفسه في صناعة انتصار حقيقي على الفقر الاجتماعي؟
لماذا نتقن صناعة الإنجاز في الملاعب، بينما ما يزال آلاف الأطفال ينتظرون فرصة في مدرسة جيدة، أوشباب في وظيفة تحفظ الكرامة، أو مستشفى يداوي الألم، أو أفق يمنحهم الأمل؟
إن الفقر الاجتماعي ليس قدرا محتوما، كما لم يكن الوصول إلى العالمية حلما مستحيلا بالنسبة لبونو ورفاقه.
إنه نتيجة اختيارات وسياسات وأولويات، كما أن تجاوزه يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وإلى إيمان بأن الإنسان هو الثروة الأولى والأخيرة لأي وطن.
لقد علمنا المنتخب الوطني أن النجاح يبدأ عندما تتوحد الجهود حول هدف واضح، وأن كل فرد، مهما كان موقعه، يصبح جزء من منظومة تؤمن بأن الفوز مسؤولية جماعية. وهذه هي الرسالة التي تحتاجها التنمية أكثر من أي وقت مضى.
فلا يمكن لوطن أن يطمح إلى الريادة وهو يترك جزء من أبنائه يصارعون الهشاشة والتهميش وضيق الفرص.
إن المغرب لا تنقصه الكفاءات، ولا يعوزه الطموح، ولا يفتقر إلى قصص النجاح.
ما يحتاج إليه هو أن تتحول هذه القصص إلى ثقافة مؤسسات، وإلى سياسات تجعل النجاح حقا متاحا، لا استثناء نادرا.
فالرهان الحقيقي ليس أن نخرج حارسا عالميا كل بضع سنوات، بل أن نخرج أجيالا كاملة تجد في وطنها فرصة للحياة الكريمة والإبداع والعطاء.
لقد أصبح بونو ورفاق دربه رمزا، لأن الإنسان المغربي قادر على منافسة الأفضل في العالم.
ويبقى الرهان الأكبر أن نستوعب الدرس كاملا، لا نصفه فقط.
فكما استثمرنا في صناعة الانتصار الرياضي، آن الأوان لأن نستثمر، بالعزيمة نفسها، في صناعة الانتصار الاجتماعي بفرق سياسية قادرة على صناعة التاريخ الوطني بمداد الكرامة وتكافؤ الفرص.
عندها فقط، لن يكون الفرح موسميا يرتبط ببطولة أو مباراة، بل سيصبح شعورا يوميا يعيشه المواطن وهو يرى أبناء وطنه ينتصرون على الفقر، والجهل، والهشاشة، كما انتصروا من قبل على أقوى المنتخبات.
وذلك هو الفوز الذي يستحق أن نحتفل به جميعا، لأنه انتصار للوطن كله، لا لفريق واحد.
