الذبابة السمراء المحتجبة

صورة من المجتمع:

الذبابة السمراء المحتجبة

بقلم عبد الهادي بريويك

ما كنتُ لأحسب أن بعوضة هزيلة يستخفها غرورها، تتوهم أن في وسعها أن تحجب نور الشمس، أو أن تنال من شموخ الجبال.

غير أن للغرور سكرا يعمي البصائر، حتى يخيّل لصاحبه أن العبث ببيوت الناس ضربٌ من الظفر، وأن انتزاع البسمة من الوجوه سبيلٌ إلى السعادة.

أيتها العابرة في دروب ليست لك، أما علمت أن للحقوق ربا لا يغفل، وأن للدموع شاهدا لا ينام، وأن الأقدار وإن أمهلت، فإنها لا تهمل؟ وأن كل وجع زرعته يد في قلب بريء، سيأتي يوم يزهر فيه عدلا لا مهرب منه؟

أما أنا، فما عدت ألتفت إلى ظلك، ولا أقف عند ضجيج حضورك؛ فقد رفعت مظلمتي إلى السماء، حيث لا تُزوَّر الحقائق، ولا تُشترى المواقف، ولا يضيع حق عند من يقول للشيء: كن فيكون.

وسيمضي الزمن، ويأتي اليوم الذي تقفين فيه أمام حصاد ما زرعتِ، فلا تجدين إلا صدى أفعالك يحيط بك من كل جانب، وتدركين متأخرة أن البيوت لا تُهدم بلا ثمن، وأن القلوب المكسورة لها دعوات تصعد في جوف الليل، لا يحجبها سقف، ولا يردها باب.

ولعل أعظم العقوبات أن يرفع الله الغطاء عن البصيرة، فيرى المرء نفسه على حقيقتها، مجردة من أوهامها، مثقلة بما صنعت يداه.

فهناك تنكسر الكبرياء، ويخرس الزهو، ويعلم كل امرئ أن العدل وإن تأخر موعده، فإنه لا يخلف ميعاده.

سلام على قلب آثر أن يترك الحكم لرب العالمين، فما كان الله ليخذل مظلوما، ولا ليميت حقا، ولا ليترك دمعة سال أي تناقض هذا الذي تعيشينه؟

بين سجدة تؤدّينها،وفي حضنك صبيا يود رؤية الحياة، سلم من كل أذاك،وأذيتك، وشعوذة تمارسينها، وبين كلمات إيمان ترددينها، وأفعال تهدمين بها بيوتا وتؤذين بها قلوبا… أيُّ الطريقين تظنين أنه يوصلك إلى النجاة؟

أما علمت أن المستقبل ليس في يد ساحر، ولا عراف، ولا دجال، وإنما هو بيد الله وحده؟ وأن الأقدار لا يملك مفاتيحها إلا خالقها؟ وأن ما كتبه الله نافذ لا يرده كيد، ولا يغيره سحر، ولا يبدله مكر الماكرين والماكرات سيدتي الذبابة.

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ وعد من الله لا يتخلف، وحقيقة لا يغيرها هوى، ولا يحجبها وهم.

فراجعي نفسك قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، ويقف كل امرئ أمام ما قدمت يداه ظلما بلا جبر.

الرباط في 30  يونيو 2026

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*