بين طوباويّة “المستقل”وبراغماتية “الانتخابي”: تفكيك التناقضات البنيوية لميثاق “مغاربة العالم”
كتبها: جمال الدين ريان
تطالعنا المسودة الإعلانية لما سُمي بـ “ميثاق شرف مبادرة مغاربة العالم المدنية المستقلة” بديباجة حماسية، مغلفة بلغة ثورية ونضالية تحاول جاهدة دغدغة عواطف الجالية المغربية في الخارج.
إلا أن القراءة النقدية المتفحصة لما بين السطور تكشف عن بنية نصية مهتزة، وتناقضات صارخة بين الشعارات المرفوعة والآليات المقترحة، مما يضع المبادرة برمتها في خانة “البروباغندا العاطفية” الفاقدة للأدوات السياسية الواقعية.
أولاً: وهم “الاستقلالية المطلقة” في مستنقع اللعبة الانتخابية
يصر الميثاق في بنده الثاني على شعار “الاستقلالية والشفافية المطلقة” والنأي بالنفس عن “أي هيئة حزبية أو أجندة ضيقة”.
لكن هذا الادعاء يسقط فوراً عند الانتقال إلى البندين الثالث والرابع اللذين يتمحوران حول المشاركة الانتخابية والاقتحام الميداني لمراكز القرار.
مكمن الخلل: كيف يمكن لمبادرة تدعي “الاستقلالية المدنية النظيفة” أن تشارك في عملية انتخابية محكومة أصلاً بالقوانين الحزبية والتحالفات السياسية لـ”الداخل المغربي”؟ إن دخول المعترك الانتخابي دون الاصطفاف وراء لافتات سياسية قائمة هو إما قفزة في الفراغ، أو محاولة للالتفاف على وعي الجالية عبر تقديم “أجندة سياسية مغلفة بوقود مدني”.
الاستقلالية المطلقة في العمل السياسي الانتخابي هي “طوباوية مجردة” لا وجود لها على أرض الواقع.
ثانياً: فخ التناقض بين “المواطنة الكاملة” والقبول بالفتات
يرفض الميثاق في بنده الثالث التنازل عن “المطلب التاريخي والدستوري في المواطنة الكاملة” والتصويت من بلدان الإقامة، لكنه في البند الرابع يبرر “الإصرار على المشاركة في الاستحقاقات الحالية (من الداخل)” باعتبارها خطوة نضالية واعية.
هنا نسقط في تناقض بنيوي حاد:
من جهة:
يتم اعتبار المشاركة من الداخل مجرد أداة ضغط.
ومن جهة أخرى:
القبول باللعب وفق الشروط الحالية التي تفرضها القوانين الانتخابية (والتي تقصي عملياً التصويت من الخارج) هو شرعنة ضمنية للوضع القائم الذي ينتقده الميثاق.
إن من يطالب بـ “المواطنة الكاملة” كشرط لا تنازل عنه، لا يمكنه أن يهرول للمشاركة في عملية منقوصة المواطنة بحجة “فرض الوجود”، لأن هذا النزول يقدم هدية مجانية لصناع القرار مفادها: أن الجالية مستعدة للمشاركة بالصيغة المتاحة، فلماذا التغيير؟
ثالثاً: خطاب “الاستعلاء النخبوي” وغياب الآليات التنفيذية
يتحدث الميثاق بلغة تجميعية فضفاضة (“نداء للإنخراط”، “كتلة كفاءات”، “فرض صوت الجالية”)، دون تقديمه لأي ميكانيزمات ديمقراطية داخلية لكيفية صياغة هذا القرار الجماعي.
الوصاية الفوقية:
يظهر النص وكأنه ينصب نفسه متحدثاً رسمياً باسم “مغاربة العالم” (وهي كتلة ديمغرافية هائلة ومتنوعة سياسياً وثقافياً واجتماعياً)، محاولاً حشر هذا التنوع في قالب تنظيمي واحد ضيق.
غياب خارطة الطريق:
يعلن الميثاق عن “اقتحام مراكز القرار”، لكنه يعجز عن توضيح كيف؟. هل سيتم عبر ترشيحات مستقلة؟ (وهي معقدة قانونياً وشبه مستحيلة في مواجهة الماكينات الحزبية)، أم عبر اختراق الأحزاب القائمة؟ (وهو ما يضرب بند الاستقلالية في مقتل).
رابعاً: “تحصين” الميثاق.. آلية لرفض النقد وتكريس الديكتاتورية المدنية
في البند الخامس والأخير، يقفز النص إلى عقلية التخوين المسبق والاستباقي تحت مسمى “ميثاق الالتزام والتحصين”، داعياً إلى الوقوف “سداً منيعاً ضد محاولات ضرب المبادرة أو تحريف أهدافها”.
هذه الصياغة تعكس ضيقاً مبكراً بالرأي الآخر؛ فالنص يعبر عن عقلية إقصائية تصنف أي نقد موجه٦ للمبادرة، أو أي قراءة مغايرة لآليات اشتغالها، على أنه “محاولة ضرب أو تشويش”. وهي مفارقة عجيبة لمبادرة تزعم أنها تؤسس للفعل المدني الديمقراطي المستقل.
خلاصة:
إن هذا الميثاق، رغم نبرته الحماسية، يعاني من انفصام واضح بين الهوية المدنية والغاية السياسية.
إنه يحاول الجمع بين طهرانية العمل الجمعوي المستقل، وبراغماتية الصراع الانتخابي على السلطة والمقاعد.
وبدلاً من أن يشكل أرضية صلبة لانتزاع حقوق مغاربة العالم، يبدو النص مجرد “إعلان نوايا” فضفاض يُشرعن العودة إلى المشاركة الكلاسيكية بنفس الأدوات القديمة، مما يهدد بتحويل هذه المبادرة إلى مجرد رافعة انتخابية لأفراد يبحثون عن تموقع سياسي داخل الوطن، على حساب آمال وتطلعات الجالية الحقيقية.
