شكرا لمن شاطرونا فرحة الانتصارات :
حينما يوحد الإنجاز الرياضي المغربي الشعوب… وتكشف الاستثناءات عمق الخلافات
سياسي : رشيد لمسلم
في عالم كرة القدم، تتجاوز الانتصارات حدود المستطيل الأخضر، لتصبح لحظات إنسانية تتقاسمها الشعوب قبل الحكومات.
وعندما حقق المغرب إنجازا تاريخيا في كأس العالم، لم يكن الاحتفال مغربيا خالصا، بل تحول إلى فرحة امتدت من الخليج إلى المحيط، ووجد صدى واسعا في إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث أشاد كثيرون بالأداء المغربي بوصفه انتصارا لكرة القدم الإفريقية والعربية، قبل أن يكون انتصارا لدولة بعينها.
لقد رفرفت الأعلام المغربية في عواصم عربية عديدة، وتصدرت عبارات التهنئة صفحات شخصيات رياضية وإعلامية وسياسية من مختلف أنحاء العالم. كما احتفت جماهير أجنبية بالإنجاز، لأنها رأت فيه قصة كفاح، وتنظيم، وإصرار، أكثر من كونه مجرد فوز في مباراة.
لكن وسط هذه الأجواء الاحتفالية، برزت على منصات التواصل وبعض المنابر أصوات رافضة أو متحفظة، خصوصا في الجزائر الجارة ، وهو ما أثار نقاشا واسعا حول أسباب هذا الموقف.
ومن المهم هنا التمييز بين مواقف بعض الأفراد أو الخطابات الإعلامية، وبين الشعب الجزائري بأكمله، إذ لا يجوز اختزال ملايين الأشخاص في رأي واحد أو موقف واحد.
فالواقع أن داخل الجزائر نفسها ظهرت أصوات كثيرة هنأت المغرب، وأشادت بما حققه المنتخب المغربي، معتبرة أن النجاح الرياضي لا ينبغي أن يكون رهينة للخلافات السياسية أو التاريخية.
وفي المقابل، اختار آخرون التعبير عن مواقف مختلفة، متأثرين بسياقات سياسية وإعلامية معقدة.
وهنا تبرز حقيقة مهمة: الرياضة تمتلك قدرة استثنائية على بناء الجسور، لكنها قد تتحول أيضا إلى مرآة تعكس حجم الانقسامات عندما تتداخل مع السياسة والإعلام. فالإنجازات الكبرى تضع الجميع أمام اختبار القيم؛ هل نحتفل بالنجاح لأنه نجاح يستحق التقدير، أم نحاكمه وفق حسابات أخرى؟
لقد أثبت المغرب، من خلال مسيرته في كأس العالم، أن العمل الجاد والتخطيط والاستقرار الرياضي يمكن أن يصنعوا المعجزات.
كما أثبت أن احترام المنافس، والروح الرياضية، والاعتزاز بالهوية الوطنية، قيم يمكن أن تجمع الشعوب بدل أن تفرقها.
ويبقى الدرس الأهم أن كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم، أما علاقات الشعوب فتبقى أطول عمرا وأعمق أثرا.
لذلك فإن الاحتفاء بإنجاز أي بلد عربي أو إفريقي هو احتفاء بقيمة النجاح نفسها، وليس تنازلا عن الانتماء أو المواقف. فالأمم الكبيرة ترتقي حين تفرح للتميز أينما كان، لأن الحضارة تُبنى بالتقدير والتنافس الشريف، لا بالشماتة أو الإنكار.
وفي النهاية، سيظل الإنجاز المغربي صفحة مضيئة في تاريخ كرة القدم، وسيبقى معيار الحكم الحقيقي هو ما قدمه اللاعبون داخل الملعب، لا ما دار خارجه من سجالات. فالتاريخ يخلد الإنجازات، أما الخلافات العابرة فتذروها الأيام.
