أحادية الوعي في زمن المنصات الرقمية: قراءة في أزمة الاختلاف والإبداع
كتبتها: نادية واكرار
لم يعد يشكل الاختلاف مشكلة، بل أصبح الإعلان عنه ومناقشته هو مشكل الاكبر.
أن تطرح سؤالًا خارج المألوف أو تقدم قراءة لا تشبه السائد أو سكوتك عنه او ربما كنت تتردد في ترديد ما يردده الجميع… يكفي أحيانا لتجد نفسك موضوعا للتصنيف قبل أن تكون موضوعا للنقاش.
هذه ليست أزمة سياسة فحسب وليست أزمة ثقافة أو فن بمعزل عن غيرهما، بل هي أزمة وعي…. حالة تتسلل بهدوء إلى المجال السياسي و الإبداعي وكذلك إلى الجامعة وإلى الإعلام، وحتى إلى تفاصيل الحياة اليومية… بل اصبح التشابه فضيلة، وغدى الاختلاف مدعاة للريبة…
أسمي هذه الحالة “أحادية الوعي”… وهي لا تعني فرض رأي واحد بالقوة, بل خلق مناخ يجعل الرأي الواحد يبدو الأكثر شرعية بينما يبدو كل اجتهاد أو سؤال أو قراءة مختلفة خروجا عن النسق العام… وفي مثل هذا المناخ، لا تناقش الفكرة بقدر ما يُحاكم صاحبها… ولا يُسأل عن حججه بقدر ما يُسأل: إلى أي معسكر ينتمي؟
ولعل ما ذهب إليه عالم الاجتماع الفرنسي بيبر بورديو، قد يساعدنا على فهم هذه الظاهرة.
فقد بين أن المجتمع لا يعيد إنتاج الثروة والسلطة فحسب، بل يعيد كذلك إنتاج أنماط التفكير والذوق والمعايير، حتى تبدو وكأنها طبيعية وبديهية.
غير أن هذا الإنتاج لم يعد اليوم حكرًا على المدرسة أو الأسرة أو وسائل الإعلام التقليدية، بل أصبحت المنصات الرقمية والخوارزميات شريكا اساسيات و رئيسيا في تشكيل ما نعتبره في الاساس مقبولا وما نراه شاذا، وما نستبعده دون أن نتساءل عن الأسباب.
من هنا، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسيلة للتواصل… بل أصبحت فضاء يعيد تشكيل الوعي الجماعي.
فهي تمنح الجميع حق الكلام، لكنها لا تمنح الجميع فرصة متكافئة لأن يُصغى إليهم.
وما ينتشر ليس دائما ما هو الأعمق، بل ما هو الأسرع وما ينسجم مع منطق التفاعل.
وهكذا يصبح التصنيف أسرع من التفكير، والانفعال أسرع من التأمل، ويتحول الاختلاف إلى مخاطرة، لا بسبب الفكرة نفسها، بل بسبب الطريقة التي يستقبل بها المجتمع تلك الفكرة.
وهذا المناخ لا يخنق السياسة وحدها، بل يخنق الإبداع أيضا. فالفنان يصبح أكثر خوفا من سوء الفهم… والباحث يتردد قبل أن يقدم نتائج تخالف السائد.. والكاتب يراجع كلماته لا بحثًا عن الدقة، بل خشية أن تُقتطع من سياقها أو تُلصق به هوية لم يخترها.
الإبداع لا يولد في البيئات التي تكافئ التشابه، بل في البيئات التي تمنح الإنسان حق التجريب وحق الخطأ وحق مراجعة المسلمات.
والحضارات لم تتقدم لأنها امتلكت أجوبة نهائية بل لأنها حافظت على قدرتها على مساءلة تلك الأجوبة كلما تغير الإنسان وتغير العالم.
ولعل أخطر ما تفعله اشكالية “أحادية الوعي” أنها لا تمنع حرية التعبير بصورة مباشرة بل تجعل الإنسان يفرض الرقابة على نفسه قبل أن يتكلم.
وحين تصبح الرقابة داخلية، يصبح الصمت أكثر انتشارا من المنع، كما يصبح التكرار أكثر أمانا من الابتكار.
إن المجتمع الذي يضيق بالاختلاف لا يخسر أصحاب الأفكار وحدهم، بل يخسر قدرته على التجدد ويبقى رهينة اختياره. لذلك، فإن الدفاع عن التعددية الفكرية ليس دفاعا عن حق الأفراد في التعبير فقط، بل هو دفاع عن قدرة المجتمع على إنتاج معرفة جديدة، وفن جديد، ورؤية جديدة للعالم.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل أصبحنا نخشى الاختلاف لأنه يهدد قناعاتنا، أم لأننا اعتدنا راحة التشابه حتى أصبح التفكير خارج القالب فعلًا يثير القلق أكثر مما يثير الفضول؟
