المغاربة : خايبين الحالة… عشاقة ملالة
بقلم الدكتور سدي علي ماء العينين.
هل المغاربة حقًا “خايبين الحالة”؟ وما المعنى العميق الدفين وراء هذه العبارة المتداولة؟
إن بلادنا تسير اليوم بخطى حثيثة ومسارات متسارعة نحو تغيير فضاءات عيش المواطن عبر الاستثمار المكثف في العمران، انطلاقًا من الوعي بأن العمران هو أصل الحضارة ومبتداها.
والعمران ليس مجرد أحجار تُبنى، بل هو مرآة تعكس ذهنية المواطن، أو لنقل بدقة أكبر: إنه يؤثر في تلك الذهنية بشكل مباشر، ويوجه السلوك البشري؛ لأن من طبع الإنسان الأصيل أن يتطبع مع محيطه ويستوعب شروطه.
فلا يمكن أن يخطر ببال عاقل مثلًا أن يصلي وسط أناس يرقصون ويصخبون، كما لا يمكن للإنسان أن يحافظ على جديته ووقاره وسط جماعة تتمازح وتضحك، لأنه سيبدو حينها في حالة شذوذ قيمي أو شرود ذهني.
والمغرب، من خلال مبادرات الدولة المتعددة، يدفع بقوة في اتجاه إحداث ثورة هادئة في عقلية وذهنية المواطن، سواء عبر الترسانة التشريعية الحديثة، أو عبر الإنجازات الميدانية المرتبطة بالبنية التحتية والمنشآت والفضاءات العامة.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا هو: هل الاهتمام بالعمران وتأثيث الفضاءات يتوجب معه بالضرورة العناية بالإنسان أولًا وقبل كل شيء؟
والحال أن المنطق السوسيولوجي يقول بأن تهيئة الفضاءات تساهم بشكل كبير في صياغة طباع الناس وهندسة سلوكهم وفق محيطهم الجديد.
وعندما أُصيبت بلادنا بجائحة كورونا، والتي تزامنت مع انتهاء الدولة من صياغة النموذج التنموي الجديد، بدا وكأن هذه الأزمة الصحية العالمية قد عرت النواقص البنيوية الكامنة في مخرجات هذا النموذج؛ إذ بدت أوضاع الناس المعيشية والاجتماعية أكثر هشاشة وجسامة مما تم دباجته وتنميقه في التقرير النهائي للنموذج التنموي، وكأن الواقع بمراراته قد تفوق على الحبر والمخططات.
فعندما نقر، على سبيل المثال، بأن الناس يملكون مسكنًا، فإننا لا نعمق النظر في طبيعة هذا المسكن ومدى إنسانيته؛ إذ لو أخذنا مقارنة بسيطة، لوجدنا أن من كانوا يقطنون دور الصفيح في فترات سابقة، كانوا يعيشون في فضاءات اجتماعية أرحب وأوسع من تلك التي توفرها شقق السكن الاقتصادي الحالية.
هنا لا تؤدي الجدران الإسمنتية الضيقة نفس الدور الإنساني والتواصلي الذي كان يوفره فضاء دور الصفيح بشساعته وتعدد أبعاده الاجتماعية والترابطية.
ولهذا، بدت مبادرات السكن الاقتصادي للعديد من الأسر مجرد سجون مقنعة ومكعبات إسمنتية تقلل من حركة وحرية ساكنيها، على عكس فضاء “الكاريان” الذي، رغم بؤسه، كان يمنح متنفسًا حركيًا واجتماعيًا.
وبنفس المنطق الاقتصادي، تلزمك هذه الشقق الحديثة بأداء واجبات وعدادات الماء، الكهرباء، الهاتف، والضريبة السنوية؛ وكلها تكاليف إضافية ترهق كاهل المواطن وتزيد من كلفة عيشه اليومي، دون أن تضمن له في المقابل فضاءً سيكولوجيًا واجتماعيًا ملائمًا للعيش الكريم والسكينة الإنسانية.
وعندما نقر كذلك بأن الناس يعملون في القطاع الخاص، فإننا لا نضمن أبدًا أن يكون هذا القطاع ملاذًا حقيقيًا للاستقرار الاجتماعي والنفسي، نظرًا لضعف الأجور وغياب ديمومة الأمان الوظيفي.
وفي المقابل، نجد المهن الحرة والقطاع غير المهيكل يوفران أحيانًا مداخيل مالية أكبر، برغم أنها تفتقر تمامًا للتغطية الصحية والتأمين وصندوق التقاعد.
فنحن هنا أمام مفارقة عجيبة: في الحالة الأولى نجد الحقوق القانونية متوفرة لكن مقابل أجر زهيد لا يسمن ولا يغني من جوع، وفي الحالة الثانية نجد مدخولًا ماليًا محترمًا لكنه متقلب، غير دائم، ومجرد من أبسط الحقوق الحامية لكرامة الإنسان عند الكبر أو المرض.
هنا تحديدًا تطفو على السطح سمة الهشاشة البنيوية، حيث يبدو ما نراه في الظاهر استقرارًا وظيفيًا هو في عمقه نوع من الاستعباد المقنع، وما نراه عملًا حرًا أو فرديًا هو في جوهره ابتعاد واغتراب عن مفهوم المواطنة الحقة التي توجب متلازمة الحقوق والواجبات.
فكيف يمكننا، إذن، أن نغير أوضاع الناس في وسط اجتماعي واقتصادي لا يوفر أصلاً فرصًا حقيقية للتغيير والارتقاء الطبقي؟
من هذا المنطلق، جاءت مبادرات البرامج التنموية الحضرية، وبرامج فك العزلة عن العالم القروي، بغرض تغيير فضاءات عيش المواطنين، وما يعنيه ذلك من محاولة خلق فرص أحسن للعيش، أو إيجاد العمل والسكن الملائمين اللذين يشكلان معًا عماد الحد من الهشاشة والفقر.
لكن يبقى السؤال المؤرق الذي يقض المضاجع: هل الإنسان أو المواطن المغربي لديه القدرة الفعلية والاستطاعة النفسية على تغيير أوضاعه الذاتية، وإعادة نسج مرجعيات ذهنيته وتطهيرها من رواسب الماضي؟
للإجابة عن هذا السؤال المركزي، وجب أولًا تكريس متلازمتي الحقوق والواجبات بشكل صارم ومقدس.
وتكمن هذه الواجبات في مفهوم العمران والحضارة الحديثة في أداء الضرائب، وهي ركيزة العقد الاجتماعي، بشرط الحرص التام على أن تكون هذه الضرائب عادلة وتصاعدية وتتشكل شموليتها لتستوعب الجميع دون تفضيل أو امتياز لطبقة على حساب أخرى.
وتباعًا لذلك، يكون من حق المواطن تلقائيًا أن يطالب بحقوقه الأساسية في الصحة والتعليم والرفاه الإنساني، والتي يفترض بشكل آلي أن تتغذى من أموال هذه الضرائب والواجبات الوطنية.
وهنا تبرز “الثقة” كعنصر جوهري ومحرك أساسي للعملية برمتها؛ بحيث كلما وثق المواطن في مؤسسات الدولة وجديتها، كلما كان سلوكه اليومي منسجمًا وتلقائيًا مع ما تقوم به الدولة من تشييد وتأثيث للفضاءات السيادية والعامة.
وإلا، فإننا سنكون بصدد حشر الإنسان في فضاءات إسمنتية حديثة غير منسجمة مع ذهنيته وطباعه، مما يولد لديه شعورًا بالنفور، ويفجر في دواخله نزعة التخريب والانتقام من كل ما هو مشترك.
فمهما ألبست البدوي لباس التمدن المعاصر، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه قد اكتسب طباع المتمدنين وسلوكهم الحضاري؛ بل لابد للدولة والمجتمع من التركيز على السلوك والممارسة اليومية، وكلاهما لا يُبنى إلا بالوعي الحقيقي، والعلم الرصين، والتربية العميقة، والتعلم المستمر.
والملاحظ هنا أن المغرب قد نجح فعلاً، وبسرعة قصوى وباهرة، في إحداث ثورة ملموسة في التشريع وفي العمران وهندسة الفضاءات؛ لكن يبدو في المقابل أن الإنسان المغربي، ونتيجة لما راكمه من تهميش تاريخي وقمع مجتمعي واقتصادي على مر السنين، أصبح يعاني عسرًا شديدًا في الانسجام مع هذه التحولات المتسارعة التي تحدث من حوله.
فراكب القطار فائق السرعة “البراق” (التيجي في) مثلًا، تجده لازال في سلوكه السفرى يعيش بنفس عقلية وممارسات ركاب حافلات النقل العشوائي القديمة.
هذا المثال البسيط والواضح يبين لنا كيف أن تغيير الوسيلة المادية وتحديثها لا يغير تلقائيًا من عقليات مستعمليها،
وهو أمر يحتاج إلى الكثير من الجهد المستدام، والبرامج الهادفة للتوعية والتحسيس والاندماج السلوكي.
فلا زال كثير من المغاربة يوصفون بأنهم “خايبين الحالة” لأنهم ببساطة “عشاق ملالة”؛ يعشقون الملل والركود لأوضاع نشأت فيها أجيال وتطبعت بسلوكيات وعقليات وذهنيات تقليدية، تعجز اليوم عن الفصل بين ما كانت عليه في ماضيها وبين ما تريد الدولة أن تنقلها إليه من حداثة وتمدن.
فلا نجد مثلًا أي تفسير منطقي لمواطن ينتقل من قريته إلى الحاضرة ويجر معه بهائمه ودوابه ليحتل بها شوارع المدينة الحديثة، فلا يجد لها اصطبلًا، ولا يعير أي اهتمام لكيفية جمع فضلاتها التي يرمي بها في الشوارع المزفتة؛
فهو هنا ينقل القرية بتفاصيلها العشوائية إلى المدينة، بدل أن ينتقل هو بوعيه ويتعايش مع نمط المدينة وشروط التمدن، وهذا بالضبط ما أنتج لنا ظواهر مشوهة لعل أبرزها “ترييف المدن”، وهو الأمر الذي يضرب مجهودات الدولة التحديثية في العمق وفي مقتل.
إن مسؤولية الدولة هنا ثابتة ولا غبار عليها، ذلك أنها برغم كل ما تقوم به على مستوى تهيئة وفبركة الفضاءات، إلا أنها لا توفر معها المواكبة والتكوين اللازمين للمواطن حتى يتمكن من مجاراة هذا التحول الإيجابي والاندماج فيه بسلاسة.
وهذا هو الدور الريادي للإعلام الوطني الذي عليه أن يتجه نحو التوعية الجادة وصناعة الوعي، بدل الغرق في مستنقع الميوعة والبوهيمية وتفاهة المشاهدات.
وهذا أيضًا هو دور الإطارات والوسائط التشريعية والسياسية من هيئات مدنية وحزبية ونقابية، والتي بدل أن تكرس جهودها لتأطير المواطن وتكوينه سياسيًا ومدنيًا، اتجهت بكل أسف لتحويل واجهات العمل الجمعوي والسياسي إلى مكاسب شخصية وامتيازات ذاتية، بدل أن تكون رسائل مجتمعية نبيلة تساهم إلى جانب الدولة في ورش البناء البشري.
وفي مثل هذه الأوضاع غير السوية، كلما تكرس الفساد في المؤسسات والمسؤولين، كلما تكرس الغش والتواكل عند المواطنين؛ وهو الوضع الضبابي الذي يجعل المقولة الشعبية المغربية الدارجة “العكر فوق الخنونة” أحسن توصيف بنيوي وسوسيولوجي لهذا الواقع المتناقض.
إن المغاربة يمكن أن يكونوا “خايبين الحالة” في مظاهرهم وسلوكياتهم العابرة اليوم، ولكن المؤكد والثابت أن لديهم استعدادًا فطريًا وتاريخيًا هائلًا ليُصلحوا من طباعهم وسلوكهم، لكنهم يحتاجون مقابل هذا العمران والفضاءات المهيأة أن يكون أولو الأمر منهم، والمسؤولون عن تدبير شأنهم، من المصلحين والصالحين والنزهاء.
ولكي يتحقق ذلك على أرض الواقع، وجب على الدولة أن تحارب الفساد بجرأة، وتضرب بيد من حديد على يد المفسدين حتى تكرس الثقة المفقودة بينها وبين المواطن؛ فغير ذلك، يمكن أن نغرس نخلة جميلة في الشارع العام، ولكننا قد نضطر تحت وطأة التخريب أن نضع إلى جانب كل نخلة حارسًا يحرسها، ولن نستغرب حينها إذا وجدنا أن حارس النخلة نفسه هو من يحمل الحجارة ليسقط ثمارها، أو يتسلق جذعها لانتزاع عروشها وبيعها في واضحة النهار.
ولنتخذ من الطبيعة قدوة ملهمة لنا، فلا توجد شجرة في هذا الكون تثمر ما يضر الإنسان، وحتى إذا لم تثمر فإنها توفر له ظلها الوارف وحمايتها؛ لكن شركاتنا ومؤسساتنا الإنتاجية والخدماتية اليوم ليست مثل أشجار الطبيعة المعطاءة، فهي في غياب المراقبة والضمير قد تنتج ما يضر بصحة المواطن وقوته، ولا تضمن الأمان المادي والاستقرار النفسي للعاملين بها.
إن المغاربة عبر التاريخ يتماهون مع من يرعاهم بصدق؛ فعندما قيل لهم في فترة من الفترات التاريخية إن فرنسا جاءت لحمايتهم، انطلت عليهم الحيلة لزمن وكانوا يصلون ويدعون بالشفاء للجنرال فرانكو، لكن عندما كشرت فرنسا الاستعمارية عن أنيابها وشرعت في استنزاف خيرات البلاد وإذلال العباد، انتفضوا كجليد بركاني وقاوموا تواجدها بكل استبسال وتضحية.
والسيرورة التاريخية تؤكد أن المسؤولين يُحملون في البدايات على الأكتاف بالترحيب والأمل، لكن كلما فسدوا وخذلوا الأمانة رُمي بهم تحت الأقدام باحتقار.
إن صبر المغاربة سلوك ملغوم ومحير، فيه حكمة بالغة تتمثل في إعطاء فرص متكررة تلو الفرص للإصلاح، لكن عندما ينقضي هذا الصبر ويجف منبعه، يصبحون أسودًا شرسة تأكل الأخضر واليابس وتعمل بمنطق الغاب؛ غابة يعتقد كل واحد يعيش فيها أنه الأسد الأوحد، والغاية لا تقبل بحكم واحد وحيوان واحد؛ فالتعدد في الأصل نعمة إنسانية، ولكن بشرط التعايش السلمي والمواطنة العادلة، أما حين يطغى جنس على باقي الأجناس وتغيب العدالة والمحاسبة، تصبح شريعة الغاب هي السائدة والبقاء للأقوى.
إن “خيوبية” المغاربة صعبة، عميقة، ومتقلبة… فانتبهوا…
