“الجهة 13”.. حين تتحول الشعارات الحزبية إلى بضاعة للمزايدة والذاكرة المفقودة
بقلم: جمال الدين ريان
طالعتنا صحيفة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بافتتاحية حافلة بالبلاغة والتنظير حول ما أسمته “الجهة 13” وحق مغاربة العالم في المواطنة السياسية الكاملة. وهو خطاب يرتدي عباءة “الدفاع عن الحقوق” و”الديمقراطية غير المحدودة بالجغرافيا”.
لكن، بين طيات هذا النص المزخرف بالكلمات الرنانة، تبرز مفارقة صارخة لا يمكن للمتابع للشأن السياسي المغربي أن يغفل عنها: فجوة الانفصام التام بين الخطاب السياسي اليوم، والتاريخ الحكومي والتنظيمي للحزب بالأمس.
تحدثنا الافتتاحية بلسان الكاتب الأول للحزب، الأستاذ إدريس لشكر، عن ضرورة “الانتقال من الاعتراف بمغاربة العالم إلى تمكينهم”، وعن رفش التعاطي معهم كـ “خزان انتخابي” أو “مجرد رقم في التحويلات المالية”.
جميل جدًا هذا الصحوة المتأخرة! لكن السؤال الذي يفرض نفسه بحادّة على قيادة الاتحاد الاشتراكي هو: أين كان هذا الحماس والتنظير حين كانت حقيبة الوزارة المكلفة بمغاربة العالم تحت إمرة حزبكم ووزرائكم؟
أولاً: الذاكرة السياسية لا تُعاني من الزهايمر
يتناسى محررو الافتتاحية أن حزب الاتحاد الاشتراكي لم يكن يومًا في موقع المعارضة الأبدي التي تتفرج على إقصاء مغاربة العالم؛ بل كان في قلب السلطة التنفيذية، وتولى تدبير القطاع المباشر المعني بقضايا الجالية.
* ما الذي قدمه الحزب يوم كانت لديه السلطة والقرار لتنزيل هذه “المواطنة الكاملة”؟
* لماذا لم تُترجم هذه المبادئ والشعارات إلى مساطير تشريعية ومشاريع قوانين حقيقية حينها؟
* لماذا استيقظ الحزب الآن ليخبرنا أن “التمثيلية ليست منحة والمواطنة ليست امتيازاً”، بعد أن غادر الحكومة وتحول إلى دكة المعارضة؟
إن محاولة تصوير الحزب وكأنه “الرائد المدافع” عن قضية أهملها أثناء وجوده في القرار، تُعد نوعًا من المزايدة السياسية المكشوفة واستخفافًا بذكاء مغاربة الخارج.
ثانياً: استغلال موسمي واجترار للمصطلحات
تنتقد الافتتاحية التعامل مع الجالية باعتبارها “عنونًا موسميًا”، لكن النص نفسه يسقط في هذا الفخ بشكل فاضح.
فالإعلان عن “الجهة 13” والمطالبة بالتمثيلية التشريعية يزداد صخبه كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، أو في المناسبات الوطنية كـ “اليوم الوطني للمهاجر”، لتتحول قضية إستراتيجية بحجم مشاركة ملايين المغاربة بالخارج إلى مجرد تكتيك حزبي داخلي لتجديد النخب أو تلميع صورة القيادة الحزبية.
إن الممارسة السياسية الحقيقية لا تقاس بالندوات والكلمات الافتتاحية، بل بالنتائج والأفعال الملموسة.
ثالثاً: تناقض الخطاب المبدئي مع الواقع التنظيمي
تدّعي الافتتاحية أن “الجهة 13 ليست رقمًا إضافيًا، بل فكرة سياسية”.
لكن الواقع التنظيمي لأحزابنا الوطنية -ومن بينها الاتحاد الاشتراكي- يظهر أن أبناء الجالية يُستدعون فقط للتصفيق في المؤتمرات أو لملء اللوائح التنظيمية، دون منحهم استقلالية القرار أو التمكين الفعلي داخل الأجهزة التقريرية للحزب نفسه، فكيف يُطالب الحزب بتمكينهم في مؤسسات الدولة وهو يُمارس عليهم الوصاية التنظيمية داخل مقراته؟
خلاصة: من منطقة الانتظار إلى منطقة المصداقية
إن مغاربة العالم لم يعودوا بحاجة إلى من يشرح لهم مفهوم “العدالة المجالية” أو “السيادة الوطنية” بأدبيات حزبيّة مستهلكة.
مغاربة العالم يدركون جيدًا من ترافع عن قضاياهم بصدق، ومن يمارس “التجارب الكلامية” عند الحاجة السياسية.
إذا كان الاتحاد الاشتراكي جادًا في جعل المواطنة حقًا استحقاقيًا لا مؤجلاً، فالطريق لا يمر عبر الافتتاحيات المنمقة، بل عبر مراجعة شجاعة ونقد ذاتي صريح لسنوات تدبيره الحكومي الفاشل لهذا الملف، وتقديم حصيلة إنجازات عمليّة بدلاً من إغراق الساحة السياسيّة بشعارات لا تطعم خبزًا ولا تمنح صوتًا انتخابيًا في الخارج.
