هل أصبحت الاختصاصات الدستورية للملك مستباحة ومجالا للمزايدة الانتخابية؟

هل أصبحت الاختصاصات الدستورية للملك مستباحة ومجالا للمزايدة الانتخابية؟

ذ. كمال الهشومي 

في خضم الصراع المحموم حول تصدر الانتخابات المقبلة، يحق لنا أن نتساءل: هل أصبحت الاختصاصات الدستورية الحصرية لجلالة الملك موضوعا للتوقعات الجازمة، وأكثر للتوزيع المسبق للمناصب خارج المؤسسات وقبل أن يقول الناخبون كلمتهم؟

فهذا يعلن أن عزيز أخنوش سيواصل رئاسة الحكومة، وذاك يحول مجرد التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة إلى تنصيب مسبق له رئيسا للحكومة، بينما يسارع محيط فاطمة الزهراء المنصوري إلى نفي ذلك وتقديمها باعتبارها الرئيسة المقبلة.

وفي المقابل، لا يخفي عبد الإله بنكيران طموحه في العودة إلى رئاسة الحكومة.

أما التسجيل المتداول للسيد الطالبي العلمي، إن ثبتت صحته وسياقه، فقد تجاوز استباق هوية رئيس الحكومة إلى الحديث عن توزيع الحقائب الوزارية، والاعتراض على إسناد وزارة المالية إلى هذا الاسم أو ذاك، وتأكيد استمرار وزراء بعينهم، وكأن الانتخابات ليس لها وجود، أو كأن نتائجها معلومة سلفا، وكأن التعيين الحكومي أصبح شأنا حزبيا داخليا.

والحال أن الفصل 47 من الدستور واضح لا يحتمل هذا العبث التأويلي: الملك هو من يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، كما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، وله أن يعفيهم وفق الكيفيات الدستورية المقررة.

لذلك، لا يملك أي حزب أن ينصب رئيسا للحكومة قبل الاقتراع، ولا يملك أي مسؤول أن يضمن لنفسه حقيبة وزارية، ولا يجوز لأي جهة أن تتصرف في الاختصاص الملكي بالتعيين كما لو كان مجرد تفصيل في تفاهمات حزبية مغلقة.

إن الطموح إلى تصدر نتائج الانتخابات وقيادة الحكومة حق مشروع في إطار التنافس الديمقراطي؛ غير أن تحويل هذا الطموح إلى يقين معلن، أو توزيع المناصب والحقائب قبل ظهور النتائج واستكمال المساطر الدستورية، ليس ثقة بالنفس بقدر ما هو استخفاف بإرادة الناخبين ومساس بوقار المؤسسات.

وكان الأجدر بالفاعلين السياسيين أن يقولوا: نطمح إلى تصدر الانتخابات، ونأمل أن نحظى بثقة المواطنين، ونقترح الكفاءات التي نراها مؤهلة؛ فهذه لغة تحفظ مشروعية الطموح ولا تتطاول على الاختصاصات الدستورية.

أما الحديث بصيغة الحسم عن رئيس الحكومة المقبلة، أو عن وزراء باقين مهما كانت نتائج الاقتراع، فيطرح سؤالا أخطر: 

هل نحن أمام مجرد تضخم في الخطاب السياسي، أم أمام ترتيبات يراد لها أن تسبق الانتخابات وتتجاوز المؤسسات؟ 

إن احترام الدستور لا يعتد فقط عند لحظة تطبيقه، بل يبدأ من احترام لغته وحدوده وروحه.

فالمناصب الحكومية ليست إرثا حزبيا، وإرادة الناخبين ليست إجراء شكليا، والاختصاصات الملكية ليست مجالا للمزاد الانتخابي أو للتوزيع المسبق في الاجتماعات الحزبية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*