كتبتها: عافية صابر
إضراب المحامين.. صراع المهنة أم معركة استقلال العدالة؟
منذ أن بدأ ملف المحامين يأخذ طريقه نحو التصعيد، وأنا أتابع تفاصيله باهتمام صحفي لا يكتفي بما يقال في البيانات، ولا يكتفي كذلك بترديد مواقف هذا الطرف أو ذاك.
كنت أبحث عن السؤال الذي يهم المواطن قبل غيره:
ماذا يحدث بالضبط؟ ولماذا وصل الخلاف حول قانون مهنة المحاماة إلى إضراب طال أمده وألقى بظلاله على المحاكم والمتقاضين؟
فتحت الملف من أكثر من زاوية، وتتبعت مسار القانون ومراحل مناقشته داخل المؤسسة التشريعية، ووقفت عند مواقف وزارة العدل وهيئات المحامين، كما تابعت التطورات التي رافقت وصول النص إلى مرحلته النهائية.
وكلما تعمقت في التفاصيل، بدا لي أن القضية أكبر بكثير من مجرد خلاف مهني بين المحامين ووزارة العدل.
إنها قضية تتقاطع فيها أسئلة استقلال مهنة المحاماة، وحدود سلطة الدولة في تنظيمها، وحقوق المتقاضين، وهيبة العدالة، ومسؤولية المؤسسات في تدبير الخلافات المهنية والتشريعية.
ومن هنا قررت أن أضع هذا الملف أمام القارئ كما قادني إليه البحث والمتابعة: لا انحيازاً للمحامي ضد الدولة، ولا للدولة ضد المحامي، وإنما انحيازاً واحداً إلى الحقيقة، وإلى حق المواطن في أن يعرف ماذا يجري حوله.
من أين بدأت الأزمة؟
المغرب كان يتوفر على إطار قانوني ينظم مهنة المحاماة، غير أن التطورات التي عرفتها المهنة، والتحولات التي شهدها قطاع العدالة، فرضت الحاجة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لها.
ومن هنا جاء مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.
لكن الطريق إلى القانون لم يكن هادئاً.
فمنذ طرح المشروع، برز خلاف واضح بين وزارة العدل وهيئات المحامين حول عدد من المقتضيات، وحول الطريقة التي ينبغي أن يتم بها إصلاح المهنة وتنظيمها.
بالنسبة إلى الدولة، كان الأمر يتعلق بتحديث الإطار القانوني لمهنة أصبحت مطالبة بمواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع والعدالة والاقتصاد والرقمنة.
أما بالنسبة إلى المحامين، فإن بعض المقتضيات اعتُبرت مساساً بضمانات ممارسة المهنة وباستقلال الدفاع.
وهنا بدأت المواجهة.
استقلال المحاماة.. جوهر الخلاف
عندما نتحدث عن المحامي، فنحن لا نتحدث عن موظف تابع للإدارة.
المحامي يمارس مهنة حرة ومستقلة، ومهمته الأساسية هي الدفاع عن حقوق موكله وحرياته ومصالحه أمام القضاء.
ولهذا فإن مفهوم استقلال المحاماة يحتل موقعاً مركزياً في النقاش.
فالمحامون يرون أن الدفاع المستقل لا يمكن أن يكون قوياً إذا كان خاضعاً لتدخلات أو قيود قد تؤثر في قراره المهني.
ومن هذه الزاوية، فإن استقلال المحامي ليس امتيازاً شخصياً له، بل هو في النهاية ضمانة للمواطن الذي يلجأ إليه بحثاً عن الدفاع والحماية القانونية.
لكن الدولة تنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى أيضاً.
فاستقلال المهنة لا يعني غياب التنظيم، ولا يعني أن تظل المهنة خارج أي إطار تشريعي حديث.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي:
كيف ننظم مهنة المحاماة دون أن نضعف استقلالها؟
ماذا تريد الدولة من القانون الجديد؟
من خلال مضامين المشروع ومساره التشريعي، يتضح أن الدولة تتجه إلى إعادة تنظيم عدد من الجوانب المرتبطة بمهنة المحاماة، من بينها شروط الولوج إلى المهنة، والتكوين، والحكامة المهنية، وتنظيم العلاقة بين مختلف المتدخلين.
كما يتضمن القانون مقتضيات مرتبطة بالبطاقة المهنية وبهيكلة المؤسسات المهنية، إضافة إلى قواعد جديدة تهم جوانب من الممارسة المهنية.
ومن بين القضايا التي أثارت النقاش أيضاً مسألة تدبير المؤسسات المهنية وولاية النقيب وتمثيلية النساء داخل الأجهزة المهنية.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين:
إصلاح المهنة من جهة، واستقلال المهنة من جهة أخرى.
فالإصلاح مطلوب، لكن السؤال هو: بأي شروط؟ وبأي ضمانات؟ وبأي درجة من التشاور مع أهل المهنة؟
الأتعاب والشفافية.. المواطن في قلب المعادلة
من أكثر الملفات حساسية في أي مهنة قانونية مسألة العلاقة المالية بين المهني وموكله.
القانون الجديد يتضمن مقتضيات تنظم بعض جوانب أداء الأتعاب، ومنها اعتماد وسائل أداء محددة عندما يتجاوز مبلغ الأتعاب سقفاً معيناً.
والغاية التي يمكن فهمها من هذا التوجه هي تعزيز الشفافية، والحد من المنازعات، وتنظيم العلاقة المالية بين المحامي وموكله.
لكن السؤال المقابل يبقى مشروعاً:
إلى أي حد يمكن للمشرع أن يتدخل في علاقة تعاقدية ومهنية تقوم في جزء كبير منها على الثقة والاتفاق؟
المواطن يحتاج إلى حماية ووضوح.
والمحامي يحتاج في المقابل إلى ضمان حقوقه المالية والمهنية.
ولهذا فإن أي تنظيم عادل للأتعاب يجب ألا ينظر إلى أحد الطرفين باعتباره خصماً للآخر.
الولوج إلى المهنة.. معركة أخرى
من الملفات التي تثير اهتمام المحامين الشباب وطلبة القانون مسألة الولوج إلى المهنة.
فالمحامي يتعامل مع قضايا تمس الحرية، والأسرة، والأموال، والعقار، والتجارة، والمسؤولية الجنائية والمدنية.
ومن الطبيعي أن يكون مستوى التكوين والكفاءة موضع اهتمام كبير.
لكن رفع شروط الكفاءة شيء، ووضع عراقيل غير مبررة أمام الشباب الراغبين في الولوج إلى المهنة شيء آخر.
وهنا أيضاً نجد أنفسنا أمام سؤال يحتاج إلى جواب متوازن:
هل الإصلاح يرفع مستوى المحاماة، أم يجعل الولوج إليها أكثر صعوبة؟
من الاحتجاج إلى الإضراب
لم يبق الخلاف داخل قاعات النقاش.
تحول إلى احتجاجات ثم إلى توقف عن تقديم الخدمات المهنية.
وفي 18 غشت 2026، قرر مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية، في ظل استمرار الخلاف حول القانون رقم 66.23.
وكان الإضراب قد دخل مرحلة طويلة، بعدما بدأ التوقف عن العمل في المحاكم منذ 15 يونيو، ما جعل الأزمة تمتد لأشهر وتلقي بآثارها على عدد من الملفات القضائية.
وهنا ظهر طرف لا يملك طرفاً في الصراع:
المتقاضي.
المواطن.. أين موقعه من هذه المعركة؟
المواطن لا يسأل عادة عن تفاصيل الصراع بين وزارة العدل وهيئات المحامين.
هو يسأل:
متى ستنعقد جلستي؟
متى سيصدر الحكم؟
هل سيضيع حقي؟
هل ستتأخر قضيتي؟
ومن سيتحمل نتائج هذا التأخير؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل ملف الإضراب أكبر من مجرد قضية مهنية.
فوراء كل ملف قضائي إنسان.
هناك أم تنتظر حكماً في قضية أسرية.
وأب ينتظر البت في قضية تخص أبناءه.
وتاجر ينتظر مستحقاته.
ومواطن ينتظر استرجاع حقه في ملكية.
ومتهم ينتظر حسم وضعيته.
ولهذا فإن أي أزمة تطال العدالة لا يمكن أن تبقى شأناً داخلياً بين المهنيين والمؤسسات.
ماذا حدث داخل البرلمان؟
القانون لم يمر في مسار تشريعي بسيط.
فبعد وصول المشروع إلى مجلس المستشارين، تقدمت مكونات المجلس بـ 266 تعديلاً، وأسفرت مناقشة هذه التعديلات عن إدخال 48 تعديلاً على 35 مادة.
ثم تمت المصادقة على المشروع بالأغلبية في مجلس المستشارين، قبل أن يعود في إطار القراءة الثانية، ويصادق عليه المجلس في جلسة 7 يوليوز 2026.
وهذا يعني أن النص مر بعدة مراحل من النقاش والتعديل قبل أن يصل إلى صيغته النهائية.
لكن رغم ذلك، بقي الخلاف قائماً بين جزء كبير من الجسم المهني والسلطة الحكومية.
المحكمة الدستورية.. محطة حاسمة
وصل الملف أيضاً إلى المحكمة الدستورية.
وفي 10 غشت 2026، صدر قرار قضى بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بالقانون رقم 66.23 على حالتها، قبل أن يتم تنفيذ القانون ونشره في الجريدة الرسمية.
وبذلك انتقل الملف من مرحلة مشروع قانون مثير للجدل إلى مرحلة جديدة:
قانون نافذ.
وفي 20 غشت 2026، نشر القانون رقم 66.23 في الجريدة الرسمية، ودخل حيز التنفيذ رسمياً.
وهنا تغيرت طبيعة المواجهة.
القانون أصبح نافذاً.. فلماذا استمر الإضراب؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بقوة.
كان يمكن أن يقال إن صدور القانون ونشره يعني نهاية الخلاف.
لكن الواقع أثبت أن المسألة أكثر تعقيداً.
فجمعية هيئات المحامين بالمغرب قررت مواصلة الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية حتى بعد دخول القانون حيز التنفيذ.
وهذا يدل على أن اعتراضات المحامين لا ترتبط فقط بكون النص كان مشروعاً ينتظر المصادقة، وإنما تتعلق أيضاً بمضامينه وبطريقة تدبير الملف وبما يعتبره الجسم المهني ضمانات أساسية لاستقلال المهنة.
اجتماع 27 غشت.. ماذا بعد؟
في ظل هذه التطورات، قررت جمعية هيئات المحامين بالمغرب تقديم موعد اجتماع مجلسها الاستثنائي إلى الخميس 27 غشت 2026، بعدما كان مقرراً في وقت لاحق.
وهذا الاجتماع قد يكون محطة مهمة في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.
هل يستمر التوقف؟
هل تتم العودة إلى المحاكم؟
هل يتم فتح حوار جديد؟
هل يمكن معالجة بعض الملاحظات من خلال تعديلات مستقبلية؟
أم أن الأزمة ستستمر في شكل جديد؟
كل هذه الأسئلة تبقى مفتوحة.
هل المحامون يدافعون عن المهنة أم عن امتيازات مهنية؟
من السهل جداً إطلاق الأحكام.
لكن التحقيق الصحفي الجاد يقتضي الاستماع إلى جميع الأطراف.
ليس من الإنصاف القول إن المحامين يدافعون فقط عن امتيازاتهم.
كما أنه ليس من الإنصاف القول إن كل ما تطلبه الدولة يمثل بالضرورة إصلاحاً لا غبار عليه.
هناك قضايا حقيقية تتعلق باستقلال الدفاع.
وهناك أيضاً حاجة حقيقية إلى تحديث المهنة وتنظيمها وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالممارسة المهنية.
المشكلة ليست في وجود الإصلاح.
المشكلة في كيفية الإصلاح.
وبين الدولة والمحامي.. يبقى المواطن
قد تستطيع الدولة أن تفرض قانوناً.
وقد يستطيع المحامون أن يواصلوا احتجاجهم.
لكن المواطن هو الذي يبقى عالقاً في المنتصف.
وهنا أعتقد أن النقاش يجب أن ينتقل من سؤال:
من انتصر؟
إلى سؤال أكثر أهمية:
من سيدفع ثمن استمرار الخلاف؟
لأن العدالة ليست ملكاً لوزارة العدل.
وليست ملكاً للمحامين.
وليست ملكاً للقضاة.
العدالة حق للمواطن.
هل يمكن أن تنتهي الأزمة بالحوار؟
في تقديري، لا يوجد قانون قادر وحده على إنهاء أزمة ثقة.
القانون ينظم.
لكن الحوار هو الذي يبني الثقة.
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى حوار مسؤول بين وزارة العدل وهيئات المحامين، حوار لا يقوم على لغة التصعيد، ولا على محاولة كسر الطرف الآخر.
حوار يستمع فيه كل طرف إلى مخاوف الطرف المقابل.
فالدولة تحتاج إلى مهنة منظمة وفعالة ومسؤولة.
والمحامون يحتاجون إلى ضمانات حقيقية لاستقلال مهنتهم.
والمواطن يحتاج إلى عدالة لا تتعطل.
الخلاصة: عندما تصبح العدالة هي الرهان
بعد تتبع هذا الملف، أجد أن اختزال أزمة المحامين في عبارة «إضراب مهني» لا يكفي.
نحن أمام اختبار حقيقي لعلاقة الدولة بالمهن القانونية المستقلة.
وأمام اختبار آخر لقدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف.
لكن الاختبار الأكبر يبقى بالنسبة إلى المواطن.
فاستقلال المحاماة ضرورة.
وتنظيم المهنة ضرورة.
والشفافية ضرورة.
لكن حق المواطن في الوصول إلى العدالة ضرورة فوق كل ذلك.
لهذا لا ينبغي أن يكون الهدف أن ينتصر المحامون على الدولة، أو أن تنتصر الدولة على المحامين.
الانتصار الحقيقي هو أن تنتصر العدالة.
وأن يخرج المواطن من هذه الأزمة وهو أكثر ثقة في مؤسسات بلده، لا أكثر خوفاً منها.
ومن هنا، فإن ما سيحدث بعد اجتماع 27 غشت لن يكون مجرد قرار بشأن إضراب.
بل سيكون اختباراً لقدرة جميع الأطراف على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الحل.
وهذه، في النهاية، ليست معركة محامين وحدهم.
إنها قضية عدالة تمس كل مواطن مغربي.
عافية صابر
