«دخول الحمّام ماشي بحال خروجو»: حين تتحول التعيينات السياسية إلى امتحان للمصداقية

«دخول الحمّام ماشي بحال خروجو»: حين تتحول التعيينات السياسية إلى امتحان للمصداقية

بقلم: نادية واݣرار

يختصر المثل المغربي «دخول الحمّام ماشي بحال خروجو» فلسفة كاملة في فهم بعض التحولات التي تكشفها التجربة، حين تختلف الصورة التي رُسمت في البداية عن الحقيقة التي تظهر لاحقاً.

وهو مثل لا ينطبق على الحمّام وحده، بل يصلح أيضاً لقراءة المشهد السياسي، حيث لا يكون الوصول إلى المنصب نهاية الحكاية، بل قد يكون بدايتها الحقيقية.

في السياسة، كثيراً ما تُقدَّم التعيينات الجديدة باعتبارها مؤشراً على التجديد وضخ الكفاءات وإعادة الثقة في المؤسسات.

وتُصاحبها خطابات التفاؤل، وتُعلَّق عليها آمال المواطنين، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقطاعات استراتيجية مثل التكوين المهني، الذي يُفترض أن يكون جسراً بين التعليم وسوق الشغل، وأداة لتمكين الشباب من الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.

لكن ماذا يحدث حين تتحول لحظة التعيين، قبل أن يجف حبرها، إلى مناسبة لطرح أسئلة محرجة حول معايير الاختيار والتدقيق في المسارات الشخصية والمهنية للمسؤولين؟

إن ما أُثير من اتهامات وتداولات بشأن الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، بعد تعيينها ضمن الحكومة الجديدة، يضعنا أمام سؤال يتجاوز شخص الوزيرة إلى جوهر المسؤولية السياسية: كيف تُمنح الثقة لشخص لتولي مسؤولية عمومية قبل أن تتضح للرأي العام حقيقة ما يُثار حوله؟ وإذا كانت هذه الاتهامات تستوجب التحقق القضائي ولا يجوز التعامل معها باعتبارها أحكاماً نهائية، فإن مجرد ظهور تساؤلات جدية بهذا الحجم، في بداية تحمل المسؤولية، يفرض توضيحاً مؤسساتياً شفافاً، لا الاكتفاء بالصمت أو انتظار انطفاء الجدل.

فالمناصب العمومية ليست مكافآت حزبية، ولا امتيازات تُوزَّع وفق حسابات التوازنات الداخلية، بل مسؤوليات تقتضي النزاهة والكفاءة والقدرة على صون الثقة العامة. والتعيين الوزاري ليس مجرد انتقال من مقعد إلى آخر، وإنما تعاقد معنوي مع المواطنين، الذين من حقهم أن يسألوا عن المعايير المعتمدة في اختيار من يدبر شؤونهم، وعن مدى جدية عمليات التحقق من الأهلية والاستحقاق.

وإذا تأكدت صحة المعطيات المتداولة بشأن انسحاب أو إعفاء مسؤول جديد بعد فترة وجيزة من تعيينه، فإن المسألة لن تتعلق فقط بسرعة الخروج من المنصب، بل ببطء المؤسسات في استباق ما قد يجعل هذا الخروج ضرورياً.

فالمشكلة ليست في تصحيح الخطأ حين يظهر، وإنما في الوقوع فيه حين تكون كلفة التحقق المسبق أقل بكثير من كلفة التراجع اللاحق.

إن الحكامة الجيدة لا تُقاس بعدد الوجوه الجديدة التي تدخل الحكومة، ولا بسرعة إعادة توزيع الحقائب، وإنما بقدرة المؤسسات على اختيار الشخص المناسب، في المكان المناسب، للأسباب المناسبة.

أما حين يصبح التعيين قراراً متسرعاً، ثم يتحول التراجع عنه إلى محاولة لاحتواء التداعيات، فإن السؤال المشروع يظل قائماً: هل نحن أمام تجديد حقيقي للنخب، أم أمام إعادة تدوير للأسماء دون مراجعة كافية لمعايير الاستحقاق؟

ولعل المفارقة الأشد إيلاماً أن قطاع التكوين المهني نفسه يُعنى بتأهيل الشباب للولوج إلى سوق العمل، وترسيخ ثقافة الكفاءة والانضباط والاستحقاق. فكيف يمكن إقناع شاب بأن مستقبله يتوقف على مؤهلاته واجتهاده، بينما يرى أن الوصول إلى مواقع المسؤولية قد يخضع لحسابات لا يعرف عنها شيئاً؟ إن الرسالة التي تبعثها المؤسسات من خلال اختياراتها لا تقل أهمية عن البرامج التي تعلنها، لأن القدوة السياسية جزء من التربية على المواطنة، مثلما أن نزاهة المسؤولين شرط من شروط الثقة في الدولة.

ليس المطلوب التشهير بالأشخاص، ولا إصدار الأحكام خارج المؤسسات المختصة، وإنما المطالبة بمعيار واحد للجميع: قرينة البراءة في مواجهة الاتهام، والشفافية في مواجهة الشك، والمساءلة في مواجهة المسؤولية. فاحترام القانون لا يعني إغلاق باب الأسئلة، كما أن النقد السياسي لا يبرر تحويل الادعاءات إلى حقائق ثابتة.

في نهاية المطاف، قد يكون الدخول إلى المنصب سهلاً في حسابات السياسة، لكن الخروج منه، حين تحاصره الأسئلة، يكشف ما لم تكشفه مراسم التعيين والصور الرسمية والخطابات المتفائلة.

وهنا يستعيد المثل المغربي حكمته العميقة: «دخول الحمّام ماشي بحال خروجو». غير أن الأهم في تدبير الشأن العام ليس فقط معرفة كيف يدخل المسؤول إلى المنصب وكيف يغادره، بل ضمان ألا تتحول ثقة المواطنين إلى تجربة مكلفة يدفع ثمنها الجميع.

فالمناصب تزول، والأسماء تتغير، أما أثر القرارات في ذاكرة المواطنين فيبقى. والثقة التي تُهدر في بداية الطريق لا تستعيدها المؤسسات بمجرد تغيير الوجوه، بل تستعيدها حين تثبت أن الاستحقاق يسبق التعيين، وأن المساءلة لا تأتي بعد الفضيحة، وأن المسؤولية العمومية تكليف لا غنيمة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*