أوروبا على صفيح ساخن، هل نحن أمام ربيع أوروبي؟ وماذا على الرباط أن تفعل؟
كتبها: سفيان خليهن
ما يحدث في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وألبانيا ليس حدثاً معزولاً، بل هو موجة واحدة بعناوين مختلفة.
ماذا حدث فعلا يوم 17 أكتوبر؟
الأرقام الرسمية تقول:
– فرنسا: أكثر من 550 ألف متظاهر حسب وزارة الداخلية، 1200 موقوف، 150 شرطي مصاب، حرق مبنى بلدية ليموج التاريخي، ونهب محلات في باريس ومارسيليا وليون وليل.
– بلجيكا وإيطاليا:استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه في بروكسيل ولييج وميلانو وبولونيا، بعد تحول احتجاجات طلابية على رسوم الجامعات إلى مواجهات.
– البرتغال: عشرات الآلاف يحتجون على أزمة سكن غير مسبوقة، الأسعار تضاعفت منذ 2017.
– ألبانيا:احتجاجات لليوم الخامس تطالب باستقالة رئيس الوزراء.
القاسم المشترك ليس سياسياً، بل اجتماعي صرف: غلاء معيشة، سكن لا يطاق، أجور لا تواكب، وخدمات عمومية متدهورة.
هل هو ربيع عربي أوروبي؟
لا. والتشبيه خاطئ وخطير.
الربيع العربي في 2011 كان يطالب بإسقاط أنظمة، بإسقاط رؤساء، بتغيير طبيعة الحكم. كان صراعاً على الحرية والكرامة السياسية.
ما يحدث في أوروبا اليوم هو عكس ذلك تماماً. هو صراع داخل النظام، وليس ضد النظام.
المتظاهر الأوروبي لا يريد إسقاط ماكرون أو إسقاط الملكية في بلجيكا، بل يريد من الدولة أن تتدخل أكثر، أن تدعم السكن، أن تخفض رسوم الجامعة، أن ترفع الأجور. هو يطالب بمزيد من الدولة الاجتماعية، وليس بأقل منها.
لذلك، الخبراء يسمونها “انتفاضة القدرة الشرائية” وليس ثورة سياسية.
هي احتجاجات مطلبية، غير منسقة، بلا قيادة موحدة، وبلا مشروع بديل للحكم.
لكن خطورتها في مكان آخر: أنها قد تغير الخريطة الانتخابية. أوروبا مقبلة على دورة انتخابات في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا خلال 12 شهراً، وهذه الاحتجاجات هي وقود صعود اليمين المتطرف واليسار الراديكالي معاً.
إلى أي حد ستصل؟
ستتسع، ولن تنحسر بسرعة، لثلاثة أسباب:
1. السبب الاقتصادي لم يُحل: التضخم في أوروبا انخفض لكن الأسعار لم تنخفض. المواطن يرى الرقم ينخفض في التلفزيون لكنه يدفع أكثر في السوبرماركت.
2. ازمة السكن هي القنبلة الحقيقية: في لشبونة وباريس وميلانو، الشاب يحتاج 15 سنة من الراتب ليشتري شقة. هذا يخلق جيلاً غاضباً.
3. العدوى:الخبير في HEC باريس ألبيرتو أليمانو توقع بالفعل انتقال الشرارة إلى ألمانيا واليونان والنمسا، لأن نفس الأسباب موجودة هناك.
لكنها لن تتحول إلى فوضى شاملة، لأن الدولة الأوروبية لا تزال قوية، ولديها أدوات امتصاص: زيادات في الأجور، دعم للسكن، وإسقاط حكومات عبر صناديق الاقتراع.
وماذا على الحكومة المغربية أن تفعل؟ الدرس لنا أكبر خطأ هو أن نقول “هذا شأن أوروبي لا يهمنا”. ما يحدث في أوروبا هو مرآة لمستقبلنا، ورسالة لحكومة المنصوري الجديدة.
الدرس الأول: لا تستهينوا بمطالب الطبقة المتوسطة والشباب.
في أوروبا، من خرج ليس الفقراء جداً، بل الطلبة والممرضون والمعلمون والموظفون. نفس الفئة التي خرجت في المغرب تطالب بالصحة والتعليم. إذا لم تجد هذه الفئة جواباً في المؤسسات، ستجده في الشارع.
الدرس الثاني: أزمة السكن هي أزمة أمن قومي.
البرتغال انفجرت بسبب السكن.
المغرب اليوم لديه نفس الضغط، خاصة في الدار البيضاء والرباط وأكادير والداخلة.
برنامج الدعم المباشر للسكن الذي أطلقته الدولة فكرة ممتازة، لكنه يجب أن يسرع ويوسع، لأن السكن هو الذي يحدد هل الشاب سيستقر أم سيهاجر أو سيحتج.
الدرس الثالث: التواصل الاستباقي، لا الصمت.
في حالة الدفتيريا، وفي حالات كثيرة، تتأخر الوزارة في إصدار بلاغ رسمي، فيترك المجال للإشاعة.
في فرنسا، رغم العنف، الحكومة كانت تتواصل كل ساعة. الحكومة المغربية الجديدة يجب أن تتبنى سياسة “الشفافية الاستباقية” قولوا الحقيقة للناس قبل أن يسمعوها من فيسبوك.
الدرس الرابع: الدولة الاجتماعية ليست ترفاً، بل صمام أمان.
أوروبا التي كانت تفتخر بدولتها الاجتماعية قلصتها فانفجر الشارع.
المغرب الذي بدأ يبني دولته الاجتماعية عبر التغطية الصحية والدعم المباشر، يجب أن يتمسك بها ويحميها من أي انتكاسة مالية. السميك الذي رفع إلى 3422 درهم هو خطوة، لكنه لا يكفي أمام غلاء المعيشة. يجب ربطه بالتضخم الحقيقي.
الخلاصة
ما يحدث في أوروبا ليس ربيعاً أوروبياً، بل هو جرس إنذار أوروبي.
جرس يقول: حتى أقوى الديمقراطيات، إذا نسيت أن الاقتصاد يجب أن يخدم الإنسان وليس العكس، فإن الشارع سيذكرها.
وعلى حكومة المنصوري أن تفهم الرسالة جيدا وأنا متأكد انها ستفهمها المغاربة لا يريدون وعودا أوروبية بمقاييس مغربية، بل يريدون حلولاً مغربية تحميهم من أن نصل يوماً إلى ما وصلت إليه باريس وبروكسيل.
الاستقرار لا يشترى بقوات الأمن فقط، بل يُبنى بالسكن اللائق، والأجر الكريم، والجامعة المجانية.
