عيد الوحدة: المغرب بين ذاكرة التاريخ وإرادة المستقبل
من تدبير النزاع إلى إعادة تشكيل معادلاته الاستراتيجية
بقلم: نادية واݣرار
ليس عيد الوحدة مجرد مناسبة وطنية للاحتفاء بوحدة التراب، ولا يوماً رمزياً لاستحضار الذاكرة الوطنية فحسب، بل هو أيضاً لحظة سياسية تستحق قراءة أعمق في ضوء التحولات التي عرفها و يعرفها ملف الصحراء المغربية، وما رافقها من تطورات دبلوماسية أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل تدبير هذا الملف، وحدود التوازنات الدولية، وقدرة الدول على الدفاع عن خياراتها الاستراتيجية في عالم لم تعد فيه التحالفات ثابتة ولا المصالح متطابقة بالضرورة.
إن تزامن تخليد عيد الوحدة هذه السنة مع تعثر مجلس الأمن في تجديد ولاية بعثة المينورسو، عقب الفيتو الروسي ضد المشروع الأمريكي، يمنح هذه المناسبة دلالة تتجاوز بعدها الاحتفالي، ويضعها في قلب مرحلة جديدة من النقاش حول موقع المغرب ومكانته في المعادلات الإقليمية والدولية.
فما حدث لا يمكن قراءته باعتباره مجرد رد فعل مغربي على موقف روسي، ولا باعتباره قراراً انفعالياً اتخذ تحت ضغط لحظة دبلوماسية عابرة، بل يستحق أن يُقرأ ضمن سياق أوسع من التحولات التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، في علاقاته الدولية، وفي إعادة ترتيب أولوياته، وفي الانتقال التدريجي من منطق تدبير النزاع إلى محاولة تغيير محدداته السياسية والاستراتيجية.
إن حضور رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في موسكو، ممثلة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، على رأس وفد مغربي ضم وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، لم يكن مجرد مشاركة بروتوكولية في القمة الروسية الإفريقية الثالثة.
فقد جاء هذا الحضور في توقيت بالغ الحساسية، وفي سياق دولي تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتعيد فيه القوى الكبرى رسم مواقعها داخل القارة الإفريقية.
ومن هنا تبرز أهمية قراءة هذا الحضور باعتباره جزءاً من الدبلوماسية المغربية متعددة الاتجاهات، التي لا تحصر علاقاتها في محور دولي واحد، ولا تجعل من الاختلاف في المواقف سبباً لإغلاق قنوات الحوار.
إن اختبار حدود العلاقة مع روسيا، وفهم طبيعة مقاربتها للملفات الإقليمية، واستكشاف المساحة المتاحة للتفاهم معها، كلها عناصر يمكن أن تكون حاضرة في الحسابات الدبلوماسية المغربية.
لكن الأهم أن اختبار موقف قوة دولية لا يعني بالضرورة انتظار موافقتها، بل قد يكون وسيلة لتحديد مساحة الحركة المتاحة، ومعرفة طبيعة التوازنات التي ينبغي التعامل معها قبل الانتقال إلى خيارات أخرى.
لقد جاء الموقف الروسي داخل مجلس الأمن ليكشف مرة أخرى أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الصداقة الدائمة أو الخصومة المطلقة، وإنما بمنطق المصالح والحسابات الاستراتيجية. فروسيا، التي تربطها بالمغرب علاقات اقتصادية ودبلوماسية ممتدة، اختارت استخدام حق النقض ضد المشروع الأمريكي، معتبرة أنه ينحاز إلى المقاربة المغربية ولا يضمن، من وجهة نظرها، شروط التوازن في مسار التسوية. وفي المقابل، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد المشروع الروسي البديل، الذي لم يحصل بدوره على الأصوات اللازمة لاعتماده. وهكذا انتهى اجتماع مجلس الأمن إلى عدم تجديد ولاية المينورسو، دون أن يعني ذلك صدور قرار أممي صريح بحل البعثة أو حسم الوضع القانوني النهائي للإقليم. وهذه نقطة أساسية لفهم ما حدث بعيداً عن القراءات التبسيطية. فالموقف الروسي لم يكن دعماً للمغرب، كما أن تعثر المشروع الأمريكي لم يكن انتصاراً روسياً كاملاً، بل كان تعبيراً عن انسداد في التوافق بين القوى الدائمة العضوية، وعن اختلاف عميق في تصور مستقبل هذا الملف.
ومع ذلك، فإن ما يستحق التوقف عنده هو طبيعة الرد المغربي، كما عبّر عنه بلاغ الديوان الملكي، الذي اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطوراً ذا دلالة كبرى، ودعا إلى إنهاء وجود البعثة ومعداتها ورموزها في الأقاليم الجنوبية خلال الأيام المقبلة، كما دعا إلى الانتقال من مرحلة التدبير الأممي للنزاع إلى مقاربة مختلفة، وإعادة النظر في استمرار إحالة الملف على مجلس الأمن.
إن هذه الرسالة تحمل تحولاً في الخطاب السياسي المغربي، لأنها لا تكتفي بالتعبير عن عدم الرضا عن نتيجة تصويت دولي، بل تطرح تصوراً جديداً لطبيعة المرحلة المقبلة.
فبعد خمسة وثلاثين عاماً من وجود بعثة أُنشئت في سياق دولي محدد، وبعد عقود من المسار الذي لم ينجح في الوصول إلى الاستفتاء الذي كان من المفترض أن يشكل غايته الأساسية، يطرح المغرب اليوم سؤالاً حول جدوى استمرار الصيغة نفسها، وحول حدود الزمن الذي يمكن أن تظل فيه قضية وطنية مرتبطة بتوازنات دولية متغيرة وباختلافات لا تنتهي بين القوى الكبرى.
ولا أعتقد أن جوهر هذه اللحظة يكمن في المينورسو وحدها، بل في السؤال الذي تطرحه على المغرب: إلى متى يمكن للدولة أن تظل تدير نزاعاً وفق قواعد نشأت في سياق تاريخي لم يعد مطابقاً للتحولات التي عرفها العالم والمنطقة؟ إن منح المسار الأممي عقوداً من الزمن، واستمرار الرهان على الحل السياسي، لا يعني أن الزمن ينبغي أن يتحول إلى قيد دائم على الخيارات الوطنية. ومن حق الدولة أن تعيد تقييم أدواتها ومقارباتها، وأن تبحث عن مسارات جديدة للدفاع عن مصالحها ووحدتها الترابية، شريطة أن تظل هذه المسارات محكومة بالحسابات القانونية والدبلوماسية، وأن تراعي مقتضيات الاستقرار الإقليمي والالتزامات الدولية. فالقرار الاستراتيجي لا تُقاس أهميته فقط بجرأة إعلانه، وإنما أيضاً بقدرته على إنتاج واقع مستقر، وبما يفتحه من إمكانات وما يفرضه من مسؤوليات.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل قضية الصحراء المغربية عن بعدها التاريخي، وعن طبيعة المجال السياسي والحضاري الذي تشكلت داخله الدولة المغربية عبر قرون. فالمغرب لم يكن مجرد حدود جغرافية ثابتة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، بل كان مجالاً سياسياً وحضارياً تشكل عبر الروابط والولاءات والبيعة والحركة التجارية والدينية والقبلية، وامتد نفوذ دوله وسلالاته في مراحل تاريخية مختلفة إلى مناطق واسعة من شمال إفريقيا وغربها، بما فيها أجزاء من المجال الذي أصبح اليوم ضمن الجزائر وموريتانيا وتونس، فضلاً عن الأندلس.
كما أن الصحراء لم تكن في الذاكرة المغربية فضاءً منفصلاً عن المجال الوطني، بل شكلت امتداداً تاريخياً واجتماعياً واقتصادياً، ارتبطت فيه القبائل والطرق التجارية ومراكز النفوذ بعلاقات متعددة مع الدولة المغربية.
غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين امتداد النفوذ الحضاري والسياسي للدول التاريخية، وبين الحدود السيادية الحديثة، وبين روابط البيعة والولاء التي كانت لها طبيعتها القانونية والسياسية في سياقها الزمني. فالتاريخ ليس شعاراً يُستدعى عند الحاجة، بل معرفة ينبغي أن تُقرأ بدقتها وتُفهم بتعدد مستوياتها، حتى لا يتحول الدفاع عن الذاكرة إلى اختزال لها.
إن قوة المغرب في هذه المرحلة لا ينبغي أن تُبنى على استحضار التاريخ وحده، مهما كانت أهميته، ولا على الرهان على تغير مواقف القوى الكبرى فحسب، بل على القدرة على الجمع بين الذاكرة التاريخية والشرعية السياسية والدبلوماسية الفاعلة والتنمية الملموسة.
فالمجال الذي يدافع المغرب عن وحدته اليوم لا ينبغي أن يكون فقط موضوعاً للترافع داخل المؤسسات الدولية، بل فضاءً للكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص، وللتنمية التي يشعر المواطن بثمارها في حياته اليومية.
إن الوحدة الترابية لا تكتمل في بعدها السياسي والجغرافي إلا حين تجد ترجمتها في الوحدة التنموية والاجتماعية، وفي قدرة الدولة على جعل الأقاليم الجنوبية فضاءات للاندماج الاقتصادي والثقافي والمؤسساتي، وفي ضمان مشاركة سكانها في صياغة مستقبلهم وتدبير شؤونهم. فالمشروعية لا تقوى فقط بما يُقال عنها، بل أيضاً بما تنتجه من واقع يلمسه الناس ويشاركون في بنائه.
ومن هنا تبرز أهمية المرحلة المقبلة، التي لن تكون سهلة بالضرورة.
فعدم تجديد ولاية المينورسو لا يلغي تلقائياً كل الالتزامات الأممية، ولا ينهي النزاع قانونياً، ولا يضمن وحده انتقال الملف إلى تسوية نهائية.
كما أن فقدان البعثة لوظيفتها في مراقبة وقف إطلاق النار وخفض التوتر يطرح أسئلة حقيقية حول الاستقرار الإقليمي، وحماية المدنيين، ومستقبل المسار السياسي. لذلك فإن التحدي المغربي لا يكمن فقط في إعلان نهاية مرحلة، بل في القدرة على بناء بديل دبلوماسي وسياسي متماسك، يحافظ على وقف إطلاق النار، ويعزز الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، ويوسع شبكة الشراكات الثنائية والإقليمية، ويحول الدعم الدولي إلى مسار تفاوضي قابل للاستمرار. فالنجاح لا يُقاس بمدى القدرة على إنهاء صيغة قائمة فحسب، وإنما بمدى القدرة على تأسيس صيغة أكثر استقراراً ووضوحاً وفاعلية.
ولعل الدرس الأهم الذي تكشفه هذه التطورات هو أن المغرب، وهو يختبر حدود علاقته مع روسيا، لا ينبغي أن يتعامل مع موسكو بمنطق القطيعة، كما لا ينبغي أن يجعل من اختلاف المواقف سبباً للتنازل عن خياراته الوطنية. فالدبلوماسية الناضجة هي التي تستطيع أن تحافظ على قنوات الحوار حتى مع الشركاء الذين لا يتبنون الموقف نفسه، وأن تدير الاختلاف دون أن تسمح له بتحديد سقف القرار الوطني.
وفي عالم تتعدد فيه مراكز القوة، وتتنافس فيه الولايات المتحدة وروسيا والصين والقوى الأوروبية على النفوذ والمصالح، يصبح من الضروري أن يمتلك المغرب هامشاً واسعاً للمناورة، وأن يواصل بناء علاقاته على أساس تنويع الشراكات، وتوازن المصالح، والاستقلال في تقدير الخيارات.
فليس مطلوباً من المغرب أن يختار بين شركائه بقدر ما هو مطالب بأن يجعل من مصالحه الوطنية معياراً ثابتاً في علاقاته معهم.
إن عيد الوحدة، في معناه الأعمق، لا ينبغي أن يظل مناسبة لاستحضار وحدة الأرض وحدها، بل فرصة للتفكير في وحدة الرؤية والمصير، وفي العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السيادة والتنمية، وبين الذاكرة التاريخية وإرادة المستقبل.
فالوحدة ليست مجرد مفهوم جغرافي، وإنما مسؤولية سياسية وأخلاقية وتنموية، تتطلب مؤسسات قوية، ومواطنة فاعلة، وعدالة مجالية، ومشاركة حقيقية، وقدرة على تحويل التحديات الخارجية إلى فرص لبناء الداخل. والمغرب الذي راكم تجربة طويلة في الدفاع عن وحدته الترابية، يجد نفسه اليوم أمام اختبار جديد: كيف ينتقل من تدبير نزاع طال أمده إلى بناء تسوية مستدامة؟ وكيف يحافظ على توازن علاقاته الدولية دون أن يسمح لتوازنات الآخرين بأن تتحول إلى حدود لخياراته؟ وكيف يجعل من لحظة التحول الدبلوماسي فرصة لتعزيز الثقة في المستقبل، لا مجرد مناسبة للاحتفاء بنتيجة ظرفية؟
إن الدول لا تصنع مستقبلها بالانتظار وحده، ولا بالانفعال أمام مواقف الآخرين، وإنما بقدرتها على قراءة التحولات واستيعاب موازين القوى واتخاذ القرارات في اللحظة التي تقتضيها مصالحها.
وما بين ذاكرة التاريخ وإرادة المستقبل، يظل الرهان المغربي الحقيقي هو أن تتحول الوحدة من قضية للدفاع والترافع إلى مشروع متكامل للبناء والاندماج والتنمية. فالمكسب الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل إلا حين يصبح أساساً لاستقرار دائم، والموقف السياسي لا يكتسب معناه الكامل إلا حين يفتح الطريق أمام مستقبل أكثر وضوحاً وعدلاً وازدهاراً.
في عيد الوحدة، لا يتعلق الأمر فقط بما تم الدفاع عنه عبر التاريخ، بل بما ينبغي بناؤه من أجل المستقبل.
فالوحدة التي تصمد في وجه التحولات هي تلك التي تجد قوتها في الذاكرة، وشرعيتها في المؤسسات، وامتدادها في التنمية، ومعناها في الإنسان.
