بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان

المريزق المصطفى
يحتفل كل واحد منا بطريقته الخاصة بهذا اليوم، تكريما لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر يوم 10 ديسمبر 1948 حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كان الأول من نوعه، وأنا أريد بهذه المناسبة الحقوقية والإنسانية أن أتقدم بالتحية والتقدير لكل الفاعلين الحقوقيين والنشطاء المدنيين العاملين في الحقل الحقوقي داخل المغرب وفي العالم، كما أترحم على أرواح كل ضحايا الجمر والرصاص، وضحايا العنف السياسي والديني، وضحايا التمييز العنصري والعرقي، وضحايا الإهمال واللامبالاة، وضحايا الفقر والجوع والبرد والهشاشة والاستبعاد الاجتماعي والحرمان المادي والعاطفي، وضحايا الإيذاء الجنسي والطفولي، وضحايا الجهل والمرض والبطالة، وضحايا ظلم المجتمع واللامساواة واللاعدل، وضحايا القهر الطبقي والاجتماعي.

وبالمناسبة نفسها أريد أن أوقع تضامني اللامشروط مع المعتقلين الطلبة ومع المعتقلين بسبب الرأي، ومع كل التنظيمات المدنية التي تمثل الدفاع عن الحق في الشغل، كما أرسم تضامني مع كل نشطاء الحركات الاجتماعية (بكل ألوانها وأطيافها) المناضلة من أجل مغرب آخر…

نعم، اللائحة طويلة جدا ولا يمكن حصرها، نظرا لما تعيشه بلادنا من حاجات حقوقية واجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية ورياضية…

وبهذه المناسبة أيضا أريد أن أطرح على نفسي، قبل غيري، سؤال حقوق الإنسان. لماذا؟

الجواب طبعا سيكون ذاتي؛ لأنني أطرحه اليوم على نفسي ولأنه يتعلق بالمعنى الذي أقصده أو أشير إليه عندما أتكلم عن حقوق الإنسان.

وهنا لا أريد أن أكون ديماغوجيا أو سياسيا أو فاعلا حقوقيا، أريد أن أكون ذلك الإنسان الذي يتفاعل مع محيطه بقدر من المبادئ والقيم لترتيب وتدبير أولويات الحياة في العلاقة مع غيره، وكذلك في العلاقة بالإدارة العامة، وبالنظام في حالته الاجتماعية، وبالإرادة المرتبطة بالمؤسسات، وبالاستقلالية والسيادة العامة والحرية والمساواة والإخاء والتسامح والتضامن والتعاون والتعاقد.

وهنا يكمن بيت القصيد الذي لا مناص منه؛ حيث تصدمني تصرفاتي في العديد من الحالات حينما تواجهني الكوابح والاكراهات، أو حينما تغيب الوسائل الضرورية لتحقيق التوازن، أو حينما تعترضني هيئات أو جماعة أو سلطة، أو حينما أشعر بالضعف وأنا أحاول الدفاع عن شيء من دون اقتناع أو معرفة، أو حينما تكبر “الأنا” داخلي وتنتفض لتقول كلمة الفصل في قضية من القضايا التي قد تمس بحقوق غيري، أو حينما تنفصم شخصيتي وتتحول إلى كائن يبحث عن المنفعة الحدية بعد استهلاكه المتوحش للمنفعة الكلية.

وفي أحيان أخرى، أفقد ذاكرتي حينما تجبرني التقاليد المحلية والأممية منها على لعب دور الدركي الحامي للراديكالية وللمركزية وللتخطيط وللإيديولوجية، كما أفقد كذلك هويتي كلما شعرت بإمكانية الانتصار على المنافسين غير القادرين على المنافسة معي، وأفقد إنسانيتي حينما لا يتحداني من هو أكثر إنسانية مني.

ورغم تكويني العلمي المتواضع، ورغم تجربتي السياسية المحترمة، ورغم انتمائي لعالم الحقوقيين والمدافعين عن الإنسان، ورغم ما اكتويت بناره من تعذيب واعتقال ومنفى، ورغم دراستي للأنوار وللنهضة وللديمقراطية وللعدالة وللأخلاق، أخجل من نفسي في العديد من الأحيان حينما أدوس على حقوق غيري، وحينما أنسى فضائل التسامح والتمييز بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وحينما أستفرد بخيارات فردية لأضرب حق الجماعة في تكوين خياراتها، أو حينما لا ألتزم بما تعهدت به لغيري، أو حينما أتنكر للالتزامات الجماعية وأريد إضفاء الشرعية على مخاطر إساءة استعمال السلطة، أو حينما تقودني العبثية إلى السخرية من المتفوقين مني، ومن المتدينين أكثر مني، ومن الراديكاليين الأكثر راديكالية مني، ومن المبشرين بالتغيير، ومن الرافضين للمدنس والمقدس، ومن الملتزمين بدين الله أو بـ”دين البشرية”.

لقد جعلتني هذه المناسبة أفكر في سلوكي الديمقراطي والحقوقي، ولهذا قمت في الصباح الباكر من نومي، لأقف أمام المرآة من دون حلاقة الدقن أو هدوم، سائلا نفسي عمّا اقترفته من انتهاكات في حق غيري، في زمن أجبرتنا خيوط جرائمه على الاهتمام أكثر بخروقات السلطة، وجرائم الأنظمة، وأجهزة الدولة، ومؤسسات الدين والسياسة ومنظمات المجتمع المدني.

بحثت عن نفسي وما تبقى من ذكريات زمني وبراءة طفولتي وعصامية شبابي، فلم أجد منها اليوم سوى معتقدات دغمائية وطقوس إلزامية، مفروضة من قبل سلطة تراتبية.

لحقوق الإنسان تاريخ طويل، أي نعم.. قلت مع نفسي. فهناك من يستعملها بمفاهيم إيديولوجية، وهناك من يربطها بالملكية الخاصة، وهناك من يوحي بها للخصائص المشتركة مع وبين المجتمعات، وهناك من يعتبرها منظومة قانونية تضم عددا من الاتفاقيات والمعاهدات تترك آثارها على مؤسسات مختلفة من حيث التشريع والتدبير والتسيير والإدارة، وهناك من يعتبرها حقوقا متأصلة في البشر منذ القدم، غير قابلة للتصرف والتجزيء، تنص على عدم التمييز، وتنطوي على حقوق والتزامات.

ثم تساءلت من جديد: وماذا ينقصني حتى أكون محترما لحقوق الإنسان؟

هنا تذكرت علاقتي بالرقابة الاجتماعية وما تفرضه عليّ من نماذج ثقافية ونظم معيارية وعقاب وثواب، ومن موارد مادية ورمزية لتؤمن توافق تصرفاتي مع محيطي وتوجهني بجملة من القواعد والإرشادات والتوجيهات لكي لا أخرج عن الطريق.. هكذا، اعترفت بانحرافي عن المبادئ الأخلاقية والمعايير الاجتماعية، واعترفت بأن حقوق الإنسان لا تقبل المس بكل شخص لكونه إنسان، بغض النظر عن هويته أو لونه أو انتمائه السياسي أو الديني أو اللغوي أو العرقي أو…

كما اعترفت بجهلي بالفضاء العام لتنمية ثقافة حقوق الإنسان واستحضار الحق في المدرسة، والتربية على حرية الرأي، والحق في الاختلاف والمساواة والديمقراطية، كما تيقنت أن ما تعلمته من دروس حقوق الإنسان، لم أعمل على ترسيخه كثقافة تدافع عن الإنسان، وعن حقوقه في الوجود والتفكير والممارسة.

ولهذه الأسباب، أطلب منكم المسامحة والمغفرة، وأعاهدكم أني سأكفر عن ذنوبي، خدمة لكم كمدخل لخدمة مجتمعنا وتنمية وطننا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*