الشرقاوي السموني : الحكومة بين التعيين الملكي و التنصيب البرلماني‎

الحكومة بين التعيين الملكي و التنصيب البرلماني
د. خالد الشرقاوي السموني
أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط

بعد تعيين جلالة الملك محمد السادس لأعضاء الحكومة الجديدة التي يترأسها سعد الدين العثماني، برز نقاش من قبل بعض الأساتذة الباحثين في القانون الدستوري حول وجود شبهة خرق الوثيقة الدستورية من لدن الوزراء في حال قيامهم بمهامهم التنفيذية قبل حصول الحكومة على التنصيب البرلماني بمصادقة مجلس النواب على البرنامج الحكومي، كما هو منصوص عليه في الفصل 88 من الدستور. و هناك من اعتبر أن الحكومة الحالة في مرتبة “حكومة تصريف الأعمال “.

وفي هذا الخصوص ارتأيت ان أشارك في هذا النقاش الذي يكتسي أهمية خاصة في الوقت الراهن، و إبداء رأيي في الموضوع نظرا لمخالفتي لعدد من آراء بعض الزملاء ، عندما تحدثوا عن الحكومة الحالة و اعتبروها ” حكومة تصريف الأعمال “، لأن هذا التعبير لا يستقيم وحال الحكومة المعينة حاليا ، و إنما يتعلق بحكومة انتهت ولايتها وتقوم بتصريف أعمال إدارية إلى حين تعيين حكومة جديدة . كما أن التنصيب البرلماني المنتظر لا يقيد الحكومة لممارسة اختصاصاتها.
وسأبسط رأيي فيما يلي :

ينص الفصل 88 من الدستور المغربي لسنة 2011 على مايلي : ” بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسَي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه. ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية؛ كون البرنامج المشار إليه أعلاه موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب. تعتبر الحكومة منصّبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم ، لصالح برنامج الحكومة”.

1- المشرع الدستوري ربط الوجود القانوني للحكومة بمجرد التعيين الملكي، ولذلك فإن الحكومة الحالية مكتملة الأركان ، و أن ربط تنصيبها بعد حصولها على ثقة أعضاء البرلمان من خلال تصويت مجلس النواب على برنامجها بالأغلبية المطلقة لا ينقص من كمالها و اكتمالها ؛ فقط يعضيه الضوء الأخضر للاستمرار في مهامها ، بمعنى أن الحكومة الحالية تظل تتخذ كافة قراراتها الإدارية إلى حين تنصيبها من قبل البرلمان ، مثل قرارات التسمية و التعيين في المناصب أو قرارات تعيين الآمرين المساعدين بالصرف أو قرارت الإلحاق أو الوضع رهن الإشارة …إلخ ، أو مراسيم تنظيمية يقتضيها حسن سير المرافق العمومية و استمرارها، باستثناء القرارات أو الأعمال التي قد تثير مسؤوليتها السياسية ، كأن يتقدم وزير إلى البرلمان للإجابة عن أسئلة شفهية أو حضوره لجنة برلمانية لمساءلته من قبل نواب الأمة،أو الشروع في مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2017 قبل المصادقة على البرنامج الحكومي ، في حين أن الوزراء يمكن لهم الإجابة عن الأسئلة الكتابية لأعضاء البرلمان التي يكون الغرض منها تنويرهم ببعض المواضيع والقضايا التي قد لا تثير المسؤولية السياسية للوزراء .

2- قد استعمل المشرع الدستوري في الفصل 88 من دستور 2011، مصطلح «تعيين» الذي استهل به هذا الفصل من خلال عبارة: “بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة ” ،و قرار التعيين كما هو معروف في القانون والفقه الإداريين أنه يرتب آثارا و يحدث مراكز قانونية ،ثم أنه ، حسب منطوق الفصل 88 المشار إليه ، إذا لم تحصل الحكومة المعينة من قبل الملك على الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب ، فلن يكون لها وجود، وهذا يعني أنها كانت قبل التنصيب البرلماني موجودة و قائمة و مكتملة ، فلا يمكن الحديث بعدم الشيء ما لم يكن موجودا أصلا ، وهذه قاعدة فقهية.

3- نرى أن الحكومة الحالية وليدة للإدارة للملكية المنفردة بمقتضى الدستور الحالي و الدساتير التي سبقته ، ولا علاقة لها نهائيا بمجلس النواب على مستوى التعيين ، فهو تنصيب سياسي لحكومة قائمة ، قد يوافق عليها مجلس النواب أو يسقطها ، فتصبح حينئذ في العدم ، فهذه المسؤولية لا تعني أن الحكومة لا يصبح لها كيان مستقل إلا بالمرور أمام البرلمان، حيث يكفي التعيين الملكي لتمارس مهامها ويشرع الوزراء في تدبير أمور قطاعاتهم .

4- إن الحديث عن التنصيب المزدوج، بمعنى أن تشكيل الحكومة أصبح خاضعا للتعيين الملكي والتنصيب البرلماني” خطأ شائع و تحليل قصير عند كثير من الأساتذة الباحثين في القانون الدستوري ، معتمدين في ذلك على المقتضيات الجديدة التي بها الفصل 88 من دستور سنة 2011 . فهذا الفصل رغم ما تضمنه من تغييرات ملحوظة وإيجابية فإنه أبقى السلطة التنفيذية على ما كانت عليه، إذ لم يقع أي تحول أساسي في مراكزها ولم يذهب التعديل إلى حد ميلاد سلطة برلمانية جديدة فوق السلطة التنفيذية ، فالحكومة خلافا لما قد يتبادر إلى الذهن لم تمر في ظل التعديلات المقترحة من وضعية غير مكتملة من طرف التعيين الملكي وحده إلى وضعية التنصيب المزدوج ، لأن قراءة متريثة و متأنية وعميقة للفصل 88 من الدستور لا تسمح لنا بالقول بأن هناك إقرارا لتنصيب مزدوج للحكومة، بل على العكس من ذلك تدفعنا للاستنتاج أن هناك تمييزا واضحا بين التعيين الملكي و التنصيب البرلماني ، أي أن هناك مستويين تعيين ملكي بمقتضاه تصبح الحكومة قائمة تمارس كافة اختصاصاتها باستثناء الأعمال التي قد تثير مسؤوليتها السياسية ، في انتظار المستوى الثاني الذي من خلاله يتم تنصيبها من قبل البرلمان للإستمرار في عملها ، و لا يقبل ذلك منطقيا إلا إذا افترضنا أن الحكومة كانت قائمة الذات بمجرد تعيين رئيس الحكومة و الوزراء من طرف الملك.

و إذا لم تحصل الحكومة على ثفة البرلمان فإنها تستقيل ، و هو تحصيل حاصل حتى و لو ينص عليه الفصل 88 ، وبطبيعة الحال لا تستقيل إلا مؤسسة موجودة وقائمة الذات. و إذا حصل ذلك – وهو أمر مستبعد – يعين الملك رئيس حكومة جديد من حزب آخر ، قد يكون الحزب الحاصل على المرتبة الثانية ، نظرا لحصول اختلال وتصدع في الأغلبية البرلمانية . وهذا الخيار يمكن للملك اللجوء اليها من خلال الرجوع الى مقتضيات الدستور غير تلك الواردة في الفصل 47 منه.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*