الإشاعة.. السلوك الذي ينحدر بالبشر إلى البهيمية..

الدعارة والإشاعة من أقدم السلوكات البشرية فطرية، التصقتا بالوجود البشري و تطورتا بتطور هذا الوجود..
وإذا كانت الأولى سلوكا شخصيا يرتبط بإرادة وتراضي الطرفين ولا يتحمل مسؤوليتها ونتائجها الا طرفا العلاقة الجنسية المؤدى عنها إلا إذا كان للطرفين أزواج وأبناء… فإن الثانية يقوم بها طرف واحد دون رضا الثاني الذي يتحمل نتائجها التي قد تكون مدمرة…
لا يرتبط إنتاج الاشاعات دائما بصراع المصالح بين الأطراف لأن هذا النوع من الاشاعة مقدور عليه في حدود ما..فالطرفان المعنيان بالصراع من المفروض استعدادهما للدفاع ضد اشاعات الطرف الآخر وانتاج ردود الفعل المناسبة.. إن أسوأ الاشاعات تلك التي تعكس الطبيعة الشريرة للأفراد التي تحدث عنها جان جاك روسو وضمنها ضمن سلوكات حالة الطبيعة التي تلجأ إليها الطبيعة الحيوانية..
وهي التي يصورها نويل كابفيرر بالعلامة الدالة على الهزيمة النفسية المطلقة والتي تأخد شكل انتقام و أرض محروقة على الجميع.. تنتعش الاشاعة في كل مجالات الوجود البشري، في التجارة و في العلاقات العاطفية و المهنية..
لكن في التنظيمات السياسية تصبح وقودا وقانونا للاستمرار وربما الترقي السياسي والاجتماعي.. يلجأ بعض الفاعلين السياسيين إما بهدف الترقي السياسي أو ضمان الاستمرار السياسي الى إنتاج إشاعات مخصوصة في الزمان والمكان إما لاضعاف مواقع التنظيم السياسي ككل وابتزازه أو ضد أشخاص بعينهم في التنظيم إما في إطار التدافع والتنافس السياسي أو لإضعاف مواقفهم ومواقعهم…
والحال أن هكذا سلوك هو غير مقبول أخلاقيا لأنه في المحصلة يضعف كل التنظيم السياسي ويصبح قاعدة وقانونا داخليا للتنظيم فتسود البغضاء والعداوة بين اعضاء هذا التنظيم.. ويسوء الأمر عندما يفقد منتسبو التنظيم لحاسة الغربلة و التفكيك والنقد فيتعاملون مع الاشاعات على أنها حقائق ومسلمات دون أن يخضعوها للنقد أو يتصدون لها في إطار الواجب الاخلاقي..وقد يساعدون على تيسير نشرها بدون قصد منهم…
لقد حدث الامر معي مرتين ، في الاولى صدقت اشاعة استفادة أحد المعتقلين اليساريين من تعويضات هيئة الانصاف والمصالحة حتى وقفت على فقره أثناء دفنه ولجوء رفاقه الى توفير مصاريف العشاء لعلمهم بزهده في طلب التعويض عن النضال.. وفي الثانية تعاملت بعفوية مع اشاعة استفادة مسؤولة في هيئة سياسية محترمة من صفقات تجارية لفائدتها… في شهادات لاحقة لاخوة ثقاة أكدوا لي نظافة يد المسؤولة وتطوعها لفائدة التنظيم والمشروع الفكري والسياسي الذي تنخرط فيه قلبا وقالبا.. في اول لقاء بها كانت مبتسمة و مرحبة ومعاتبة برفق ومعزة قائلة ” المفكر اكثر الاشخاص الذين يجب ان يفحصوا الأخبار بمنهجهم العلمي”، متمنية من رفاقها ورفيقاتها في التنظييم السياسي الانتباه الى المناورات التي تستهدف وجود تنظيمهم السياسي من طرف اشخاص وجرائد ومواقع الكترونية… بالفعل افضل الأسلحة لقتل الاشاعة هو فضحها…
بقلم : الدكتور سعيد جعفر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*