فنجان بدون سكر:
فريق التقدم والاشتراكية (2021-2026): خمس سنوات من المعارضة البناءة والمسؤولة بقيادة رشيد حموني.
بقلم: عبدالهادي بريويك
حين تقاس المعارضة بما تضعه من أسئلة، وما تقترحه من بدائل، وما تفتحه من ملفات، وما تدافع عنه من مصالح المواطنين، فإن تجربة فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021-2026 تستحق قراءة هادئة ومنصفة.
في المشهد البرلماني المغربي، لا تقاس قوة المعارضة فقط بعدد المواقف الرافضة أو بحدة الخطاب السياسي، وإنما بقدرتها على تحويل انشغالات المجتمع إلى أسئلة ومقترحات ومبادرات رقابية وتشريعية، وعلى ممارسة الرقابة دون السقوط في منطق المعارضة من أجل المعارضة. ومن هذه الزاوية تحديدا، برز فريق التقدم والاشتراكية، بقيادة النائب رشيد حموني، كأحد المكونات الأكثر حضوراً في ممارسة ما يمكن تسميته بـ «المعارضة البناءة والمسؤولة».
وتؤكد المعطيات المنشورة في الموقع الرسمي لمجلس النواب أن الفريق يوجد ضمن الولاية التشريعية 2021-2026 برئاسة رشيد حموني، كما تُظهر قاعدة الأسئلة البرلمانية الخاصة بالفريق آلاف المبادرات الرقابية، فيما تُظهر قاعدة مقترحات القوانين عشرات المبادرات التشريعية.
أولا: حصيلة رقمية تعكس عمق الحضور المؤسساتي:
الأرقام وحدها لا تكفي للحكم على الأداء البرلماني، لكنها تصبح ذات دلالة عندما تقترن بنوعية الملفات التي جرى الاشتغال عليها:
المبادرات الرقابية: بلغ إجمالي الأسئلة البرلمانية المرتبطة بالفريق خلال الولاية التشريعية الحالية 4104 أسئلة، شملت قطاعات حكومية متعددة.
العمل التشريعي: تصاعد عدد مقترحات القوانين المقدمة تدريجيا ليصل إلى 37 مقترح قانون مسجلا باسم الفريق.
طلبات لجان الدارسة: سجل الفريق عشرات الطلبات لعقد اجتماعات اللجان الدائمة لمناقشة القضايا الطارئة والاستراتيجية.
هذه الأرقام لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد «حصيلة كمية»، بل باعتبارها مؤشرا على أن الفريق اختار الحضور المستمر داخل المؤسسة التشريعية، واستعمال أدواتها الدستورية بدل الاكتفاء بالتصريحات السياسية خارجها.
ثانيا: نبض المجتمع في صلب الأجندة البرلمانية:
من يتتبع حصيلة الفريق يلاحظ أن أجندته الرقابية لم تكن محصورة في ملف واحد، بل امتدت إلى معظم القضايا التي تشكل صلب الحياة اليومية للمغاربة.
القدرة الشرائية وغلاء الأسعار: حضور قوي لملفات محاربة المضاربة والاحتكار، مراقبة الأسواق، أسعار المحروقات، والأمن الغذائي.
الصحة والحماية الاجتماعية: الدفاع عن المستشفى العمومي، إصلاح المنظومة الصحية، وتجويد الولوج إلى العلاج، مع طرح مبادرات نوعية مثل طب الأسرة.
التعليم والتشغيل: مناقشة إصلاح المدرسة العمومية، تقليص التفاوتات المجالية، ومواجهة أزمة البطالة عبر تحسين مناخ الاستثمار الخاص.
قطاعات حيوية أخرى: شملت أجندة الفريق ملفات التقاعد، الوظيفة العمومية، السكن، الجهوية، التنمية القروية، السياحة، النقل، والماء والطاقة.
ثالثا: من السؤال البسيط إلى فتح الملفات الثقيلة
لم يتعامل الفريق مع السؤال البرلماني باعتباره إجراء شكليا، بل جعلوه أداة لفتح نقاش عميق حول السياسات العمومية عبر:
• تقديم عشرات الطلبات لعقد اجتماعات اللجان الدائمة لمناقشة أزمات كبرى (غلاء الأسعار، الأمن الغذائي، التعليم، حرائق الغابات، مغاربة العالم).
• المبادرة لطلب تشكيل لجان لتقصي الحقائق (مثل استيراد المحروقات الروسية واستيراد رؤوس الأغنام بمناسبة عيد الأضحى ووو…).
• المساهمة الفاعلة في المهام الاستطلاعية وتقييم السياسات العمومية (الماء، الإدارة، مخطط المغرب الأخضر، التعمير).
رابعاً: التشريع البديل والاقتراح بدل الاكتفاء بالرفض:
المعارضة التي تكتفي بانتقاد مشاريع الحكومة تظل معارضة ناقصة. وفي المقابل، قدم فريق التقدم والاشتراكية رزنامة تشريعية هامة شملت:
• إحداث الوكالة الوطنية لتوزيع المنتجات الغذائية وتنظيم أسعار المحروقات.
• حماية الأطفال من الاعتداءات الجنسية ومن مخاطر الرقمنة.
• تعديل مدونة الشغل ومدونة السير وتنظيم الإشهار العمومي.
• مقترحات ذات طابع اجتماعي واقتصادي مباشر (مثل تنظيم قطاع المحروقات ومنحة الباحثين عن الشغل).
خامسا: مغاربة العالم والقضايا الوطنية الكبرى:
إلى جانب انشغاله بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، جعل الفريق من قضية الوحدة الترابية والدفاع عن المصالح العليا للمغرب أولوية كبرى في إطار الدبلوماسية البرلمانية، فضلا عن حمل قضايا مغاربة العالم ومطالبهم الاستثمارية والاجتماعية إلى قبة البرلمان.
سادسا: رشيد حموني.. قيادة تجمع بين الجرأة والانضباط المؤسساتي:
يصعب الحديث عن هذه التجربة دون إبراز الدور المحوري لرئيس الفريق، رشيد حموني، الذي تميز بـ:
• الحضور المنتظم والقدرة على تفكيك الملفات التقنية بدقة.
• التوازن الصعب بين نبرة المعارضة القوية واحترام المؤسسة البرلمانية.
• اعتماد منهجية «التصويت الانتقائي المسؤول»: التصويت الإيجابي على النصوص المفيدة للمواطن (كالصحة والقضاء وجبايات الجماعات)، ومعارضة النصوص التي تبدو مجحفة (قانون المالية 2025، القانون التنظيمي للإضراب، وغيرها).
موقف الفريق باختصار: المعارضة المسؤولة لا تقول “لا” دائما، كما أن الأغلبية المسؤولة لا ينبغي أن تقول “نعم” دائما.
تقييم موضوعي لتجربة استثنائية
بعد خمس سنوات من العمل البرلماني، أثبت فريق التقدم والاشتراكية بقيادة رشيد حموني أن المعارضة البرلمانية يمكن أن تكون قوية، اقتراحية، وبناءة في آن واحد. وعلى الرغم من الإكراهات المرتبطة بمحدودية تفاعل الحكومة مع جزء من هذه المبادرات، إلا أن المعيار الحقيقي يبقى هو الأثر الملموس والبدائل الجادة التي أُنتجت، مما يجعل هذه التجربة مرجعا حقيقيا في ممارسة المعارضة المؤسساتية المسؤولة بالمغرب.
