الترشيح للانتخابات في دائرة الرماني …تغيير بدلة السياسي في اخر لحظة
سياسي: الرماني
في العمل السياسي، حين يترشح شخص سبق له أن تقلد مسؤولية، فإن القاعدة بسيطة: نقدم حصيلته ونحاسبه عليها.
لكن المفارقة في دائرة الرماني–تيفلت أن العملية تبدو معكوسة.
كيف يمكن أن نقدم إنجازات برلماني تحققت في مرحلة كان فيها ينتمي إلى حزب آخر، ثم نعتبرها اليوم رصيدًا له وللحزب الذي التحق به في آخر لحظة؟
قد يكون الأمر قابلًا للنقاش بالنسبة للبرلماني، باعتبار أن الترافع البرلماني يحمل جانبًا شخصيًا، لكن الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر برئيس(ة) كانت مشاريعها وقراراتها نتاج عمل أغلبية كاملة، وليست إنجازًا شخصيًا منفردًا.
فالمشاريع التي صادق عليها المجلس لم تكن مشاريع «رئيس(ة)» بقدر ما كانت مشاريع أغلبية ساهمت في اتخاذ القرار والتصويت عليه.
لذلك، فإن إعادة تقديمها اليوم باعتبارها حصيلة شخصية تطرح سؤالًا مشروعًا: من يستحق فعلًا أن يُنسب إليه الإنجاز؟
ولهذا السبب اختلط الخطاب من «ماذا أنجزت؟» إلى «أنا ولدكم، خوكم، وبنت قبيلتكم».
وهنا يصبح الخطر أكبر: أن يتحول الاستحقاق الانتخابي من منافسة على البرامج والحصيلة إلى منافسة على الانتماء القبلي، متجاوزًا التقسيم الإداري والسياسي لدائرة الرماني–تيفلت.
وكيف لمن يستجدي الأصوات من داخل القبيلة أن يطالب بها من خارج مجال الانتماء؟ وحتى الملتزم السياسي يصبح مجرد وسيط مادام ان المرشح للانتخابات نزل به بالمظلة ويتحول طلب الدعم له (لها) الى انه «ضامن» له أو لها ، حين تنتقل المرشح (ة ) الى خارج مجال هذا الانتماء، بأي منطق يريد أن يجعل الضمان الشخصي بديلاً عن الاختيار الحر للناخب؟
لكن السؤال الأعمق هو: كيف نطلب من الناخب أن يثق في خطاب حزبي، وفي مبادئ ونجاعة فريق حزبي، بينما المرشح لم يمض داخل الحزب إلا أسابيع أو أشهر قبل الانتخابات؟
المسألة هنا ليست رفضًا للترحال السياسي في حد ذاته، وإنما تتعلق باحترام قواعد اللعبة: حق المناضلين والقواعد المحلية في المشاركة في اختيار من يمثلهم، والاحتكام إلى المؤسسات، بدل أن يصبح الاستقطاب الفردي والقرار المركزي بديلًا عن إرادة القواعد.
هذه الأسئلة لا أطرحها لاستهداف من يستسيغ هذا الخطاب، ولا لمن يقول: «صوّت عليه أو عليها، وأنا ضامن له أو لها»، ولا حتى لمن يشتغل بمنطق «الشناقة والفراقشية» في السياسة؛ بل أطرحها على من يصوت من أجل بناء ديمقراطي حقيقي.
لأن الانتخابات ليست فقط اختيار أشخاص، بل هي أيضًا اختيار لنوع الممارسة السياسية التي نريدها: هل نريد سياسة تقوم على الحصيلة والبرامج والمؤسسات، أم سياسة تقوم على الانتماء والقرابة والترحال السياسي؟
ومن كل هذا نكتشف أن قوة المرشح السياسي لا تأتي من تغيير العنوان الحزبي قبيل الانتخابات، وإنما من الانتماء الحقيقي الذي يتحول مع مرور الوقت إلى تجربة وتراكم ومعرفة وقدرة على الترافع.
فالانتماء الحزبي الحقيقي ليس مجرد بطاقة تُستخرج قبل الانتخابات، وإنما مدرسة يتعلم فيها السياسي معنى الالتزام والانضباط والترافع وتحمل المسؤولية والعمل الجماعي. ومن راكم هذا المسار، من حقه أن يفتخر بحصيلته؛ لأنها لم تولد ليلة الانتخابات، بل كانت نتيجة سنوات من العمل المتواصل، سواء كان مستشارًا أو عضوًا في الأغلبية أو مسؤولًا حزبيًا أو فاعلًا داخل المؤسسات.
أما من يريد خوض الانتخابات لأول مرة، فالأمر مختلف تمامًا.
من حقه أن يترشح، ومن حقه أن يطلب ثقة الناخبين، لكن عليه أن يقدم نفسه من خلال مشروعه وقدرته واستعداده لتحمل المسؤولية، لا أن يستعير حصيلة الآخرين أو يختصر المسافة بتغيير الانتماء ثم يطلب من الأتباع أن يقتدوا به في التغيير.
فالسياسة ليست بدلة تُغيَّر كلما تغيرت المناسبة، وليست لونًا حزبيًا نرتديه اليوم ونخلعه غدًا، ثم نطلب من الآخرين أن يصفقوا لهذا التغيير وكأنه فضيلة سياسية.
السياسي الحقيقي هو الذي يغيّر مواقفه بالحجة، ويطور أفكاره بالتجربة، ويصحح أخطاءه بالمسؤولية، لا الذي يغيّر بدلته السياسية ثم يطلب من الجميع أن يغيّروا معه.
والأقوى سياسيًا ليس من يدخل الانتخابات بأكبر عدد من الضامنين، بل من يدخلها بأكبر قدر من المصداقية. وليس من يملك شبكة من الأتباع، بل من يستطيع أن يقنع المواطن بأنه يستحق صوته دون قبيلة أو قرابة أو «ضمانة» شخصية.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أمام الناخب بسيطًا وواضحًا:
هل نريد نائبًا أو منتخبًا نعرف تاريخه السياسي ونستطيع محاسبته على حصيلته، أم نريد شخصًا نكتشفه لأول مرة يوم الاقتراع؟
لأن الديمقراطية الحقيقية لا تسأل فقط: من سيفوز؟
بل تسأل قبل ذلك: بأي ممارسة سياسية نريد أن يفوز؟
