التزكية الحزبية ليست مجرد ورقة عبور للانتخابات
كتبها: عبد السلام المساوي
على بعد أسابيع ، ستنطلق حملة الانتخابات التشريعية التي تتوافق ومرحلة فاصلة تشهدها المملكة الشريفة ، أبرزها حسم ملف الصحراء المغربية والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ، والنجاح الديبلوماسي في عزل كل الجهات المعادية لمصالح الوطن ، وقيادة الملك محمد السادس ثورة هادئة في مجال الاستثمارات الكبرى وبناء الموانئ الاستراتيجية، وتجهيز البنيات التحتية الخاصة بتنظيم كأس العالم 2030 .
وما يجعل الانتخابات البرلمانية مصيرية ، هو أن المشاريع الملكية الكبرى ، التي تهدف إلى الرفع من جودة الحياة والاهتمام بمعالجة الملفات الاجتماعية ، يجب أن تتم مواكبتها من قبل جميع الفعاليات السياسية ، وطرح الأحزاب المتنافسة لبرامج انتخابية تتسم بالجدية ، والقابلية للتنزيل وفق المعطيات الميدانية والإمكانيات ال١متاحة .
فهناك العديد من القطاعات التي تحتاج إلى تشريعات جديدة ، تواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية ، واجتهادات في إطار احترام الثوابت الدينية والوطنية ، وتجاوز العوائق التقليدية والابتعاد عن الممارسة الشعبوية ، والاستثمار في كل نقط القوة التي صنعتها الديبلوماسية الملكية وإبداعها في تجديد علاقات دولية وفتح الآفاق بالنسبة لأخرى وفق معادلة رابح / رابح بعيدا عن الجمود الإقليمي والعقليات السياسية المتحجرة التي تجهض حلم الشعوب في التنمية .
إن الانتخابات التشريعية المقبلة ، وجب أن تفرز فرقا برلمانية قوية ، سواء كانت في الأغلبية والمجهودات المطلوب بذلها لتحقيق التنمية ، وتنزيل التعليمات الملكية السامية لتجاوز مشاكل مغرب بسرعتين ومعالجة كافة الأعطاب الاجتماعية والحد من الفوارق المجالية ، أو في المعارضة والجدية في الانتقاد والاعتراض على السياسات العمومية ، وتقديم البدائل الحقيقية ومناقشة الأرقام والمؤشرات وليس الأشخاص والانطباعات والتشهير والتفاهة .
لقد كان محمد السادس واضحا في خطاب العرش عندما أعلن على إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها الدستوري والقانوني العادي ، وتأكيده على ضرورة الإعداد الجيد لهذه المحطة الهامة وتعليماته لوزارة الداخلية بتنفيذ ذلك ، ما يضاعف من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق قادة الأحزاب السياسية وتزكية وجوه قادرة على تقديم قيمة مضافة للمشهد البرلماني والحكومي .
إن نجاح الانتخابات المصيرية ، ليس ترفا سياسيا ، بقدر ما تتطلبه المرحلة الراهنة ، كي تكون الأحزاب وجميع الفعاليات المعنية ، على أتم الاستعداد للمشاركة والمساهمة في بناء مغرب 2030 ، ومواجهة كل التحديات المستقبلية ، والوعي التام بالتقلبات الجيوسياسية ، وتقدير تبعات الحروب على اقتصاد العالم والاقتصاد الوطني ، والبحث عن المصلحة الوطنية العليا ودعمها دون تضييع للجهد في النقاشات الهامشية ، لأن المستقبل لا يرحم والتهافت الآن على المصالح ولاشيء غيرها ، ولكي يكون لنا موطئ قدم في هذا العالم يجب أن نعرف مصالحنا أولا ونعمل على تحديدها وكيفية خدمتها بكل السبل المتاحة .
إن خطورة تزكية الفاسدين تؤدي إلى إضعاف جودة التشريع داخل المؤسسات التشريعية ، حيث نجد أنفسنا أمام نخب عاجزة عن مواكبة التحولات المتسارعة ، ومتخلفة بشكل كبير عن التفاعل مع السياق الدولي والإقليمي والتحديات الكبرى ، ومن جهة ثانية ، يساهم الأمر في تكريس العزوف السياسي لدى الشباب بشكل خاص ، إذ يفقد الناخب ثقته في جدوى المشاركة والتصويت ، حين يرى نفس الوجوه تستمر في نفس المناصب ، ونفس أساليب النجاح تكرر عند كل استحقاقات .
وعوض أن يكون البرلمان فضاء للنقاش السياسي المسؤول ، والتداول في الملفات الاستراتيجية الكبرى والتشريع الرصين ، ومراقبة العمل الحكومي ، يتحول في ظل اختلالات التزكيات إلى ساحة للصراعات الهامشية والاستعراضات الفارغة ، ما يفرغ العملية الديموقراطية من محتواها الحقيقي ، فضلا عن التخلف عن مواكبة التوجيهات الملكية السامية ، والمشاريع الكبرى في إطار رؤية مغرب 2030 .
إن المرحلة الراهنة تفرض بروز قيادات سياسية قوية ، قادرة على استشراف المستقبل ، ومواجهة التحديات المعقدة التي تنتج عن الحروب الطاحنة حول المصالح ولا شيء غيرها ، وصياغة بدائل واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين ، وذلك لن يتحقق طبعا دون الجدية في القطع مع ممارسات تزكية الفاسدين ، أو غير المؤهلين ، الذين تسهم تصرفاتهم الطائشة والصبيانية أحيانا في تحويل بعض المؤسسات التمثيلية إلى فضاءات عبثية تسيء لصورة العمل السياسي .
إن مسؤولية إنقاذ الفعل السياسي بالمملكة من العبثية ونقله إلى ساحة الجدية والوضوح والبرامج القابلة للتنزيل مسؤولية جماعية ، تتقاسمها الأحزاب والنخب والمجتمع ، وذلك كله من أجل بناء مشهد سياسي ناضج ، يقوم على معايير الكفاءة والنزاهة ، وله القدرة والمرونة بالشكل الذي يمكن من خلاله تخطي كافة الصعاب ومواجهة تحديات الحاضر وربح رهانات المستقبل .
وفي الوقت الذي يفترض أن تقوم التزكيات على معايير الكفاءة والنزاهة والقرب من هموم المواطنين ، تكشف العديد من التجارب عن اختلالات عميقة ، حيث تطغى الحسابات الضيقة ، وتحسم الاختيارات أحيانا بمنطق الولاءات الشخصية ، أو النفوذ المالي ، أو التوازنات الداخلية الهشة ، وهنا تكمن الخطورة ، لأن التزكية تتحول إلى مكافأة بدل أن تكون مسؤولية ، وإلى صفقة بدل أن تكون تفويضا شعبيا مؤطر بقيم الديموقراطية .
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بمن سيحصل على التزكية ، بل بكيفية منحها ، وبالرسائل التي تبعثها الأحزاب إلى المجتمع ، فإما أن تكون هذه العملية مدخلا لاستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والعمل السياسي ، عبر تقديم كفاءات نزيهة وقادرة على الترافع الجاد عن قضايا الوطن والمواطنين ، وإما أن تتحول إلى عامل إضافي يساهم في تعميق أزمة العزوف الانتخابي ، وترسيخ صورة سلبية عن العمل الحزبي .
لذلك فإن التزكية الحزبية ليست مجرد ورقة عبور إلى الانتخابات ، بل هي شهادة سياسية وأخلاقية تمنح باسم الحزب يفترض أنه يحمل مشروعا مجتمعيا ، لكن الواقع يكشف أن بعض الأحزاب السياسية ابتعدت عن مهامها الدستورية في تأطير المواطنين واستقطاب الشباب لادماجهم في العمل السياسي ، وتحولت معظم الأحزاب إلى ” بوتيكات ” انتخابية تفتح أبوابها في كل مناسبة انتخابية ، لتوزيع التزكيات ، التي أصبحت تدر على البعض أموالا طائلة ، كما تتحول في باقي السنوات الفاصلة بين المناسبات الانتخابية إلى ما يشبه شركات للترقي الطبقي للمستفيدين من ” الريع الحزبي ” .
إن اللحظة تفرض على الأحزاب أن ترتقي إلى المسؤولية التاريخية ، وأن تجعل من التزكيات عنوانا للشفافية والاستحقاق ، لا بوابة للريع السياسي ، لأن معركة الثقة تبدأ من هنا ، من داخل الأحزاب ، قبل أن تحسم في صناديق الاقتراع .
