جمعية الشعلة تفتح نقاشا وطنيا حول مستقبل الطفولة والشباب في زمن التحول الرقمي
نظمت جمعية الشعلة للتربية والثقافة، بشراكة مع الجامعة الوطنية للتخييم، خلال الفترة الممتدة من 19 إلى 21 يونيو 2026 بمدينة الدار البيضاء، ندوة وطنية حول موضوع: «الطفولة والشباب والذكاء الاصطناعي: التربية الحقوقية والسياسات العمومية في زمن التحول الرقمي»، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء والفاعلين التربويين والحقوقيين.
ولم يكن اختيار هذا الموضوع منفصلا عن التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي والعالم عموما، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي قضية تتجاوز بعدها التقني لتتحول إلى سؤال سياسي وثقافي وتربوي وحقوقي يرتبط بطبيعة المجتمع الذي يراد بناؤه، وبمكانة الإنسان داخل منظومات إنتاج المعرفة والقرار والتأثير.
وفي افتتاح أشغال الندوة، أكد الأستاذ سعيد العزوزي، رئيس جمعية الشعلة للتربية والثقافة، أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي يرتبط في جوهره بالنقاش حول الإنسان ومستقبل التربية ودور المؤسسات المجتمعية في مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
وأوضح أن التاريخ الإنساني عرف محطات كبرى غيرت شكل المجتمعات وأساليب عيشها، من اختراع الكتابة إلى الطباعة والثورة الصناعية ثم الثورة الرقمية، وأن كل مرحلة من هذه المراحل كانت تدفع المجتمعات إلى إعادة النظر في أنظمتها التربوية والثقافية وفي طرق إنتاج المعرفة وتداولها.
وأضاف أن ما يميز المرحلة الراهنة يتمثل في السرعة الهائلة التي تنتشر بها التكنولوجيا وتأثيرها المباشر في تفاصيل الحياة اليومية، الأمر الذي يجعل من الضروري التفكير في موقع الطفولة والشباب داخل هذا العالم الجديد، وفي الكيفية التي يمكن بها تحويل التكنولوجيا إلى أداة للتمكين والتنمية بدلا من أن تصبح مصدرا جديداً للتفاوت والإقصاء والهشاشة الرقمية.
واعتبر أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بتوفير الوسائل الرقمية أو تعميم استعمال التكنولوجيا، وإنما ببناء الإنسان القادر على الفهم والتحليل والاختيار الواعي، لأن المجتمعات التي تمتلك التكنولوجيا دون امتلاك الوعي والمعرفة النقدية قد تجد نفسها أمام أشكال جديدة من التبعية الثقافية والمعرفية.
وفي هذا السياق، شكلت مداخلة الأستاذ منير باهي حول موضوع «من وفرة المعرفة إلى أزمة الوعي: التربية في عصر الذكاء الاصطناعي» مدخلاً أساسياً لمناقشة التحولات التي مست علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد أبرز أن العالم يعيش مفارقة غير مسبوقة تتمثل في وفرة المعلومات واتساع إمكانيات الوصول إليها، مقابل تنامي الحاجة إلى بناء الوعي النقدي والقدرة على التحليل والتمييز.
وأكد أن وظيفة التربية لم تعد تقتصر على نقل المعرفة، وإنما أصبحت مطالبة بإعداد أجيال قادرة على إنتاجها وتفكيكها واستثمارها في فهم الواقع والتفاعل معه بصورة واعية ومسؤولة.
ومن زاوية الحماية الرقمية، تناولت الدكتورة ليلى فجاح موضوع «الطفولة والشباب في عصر الذكاء الاصطناعي: بين فرص التمكين وتحديات الحماية الرقمية»، حيث أكدت أن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكانات واسعة للتعلم والابتكار وتطوير المهارات، غير أن هذه الفرص تواكبها تحديات حقيقية مرتبطة بحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية والأمن السيبراني.
وأبرزت أن الرهان المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتوسيع الولوج إلى التكنولوجيا، وإنما بإرساء ثقافة رقمية جديدة تجعل الأطفال والشباب قادرين على الاستفادة من الإمكانات التي توفرها البيئة الرقمية مع امتلاك أدوات الحماية والوعي بالمخاطر المحتملة.
أما الأستاذ عبد العظيم أيت حجوب، ممثل اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة الدار البيضاء ـ سطات، فقد سلط الضوء على التحولات التي مست مفهوم حقوق الإنسان في ظل الثورة الرقمية، مؤكداً أن الحقوق والحريات أصبحت تمتد إلى فضاءات جديدة ترتبط بالمعطيات الشخصية والخصوصية الرقمية والحق في الوصول إلى المعرفة ومواجهة مختلف أشكال التمييز الرقمي.
وأشار إلى أن التطورات التكنولوجية المتسارعة تفرض تحديث المقاربات الحقوقية والسياسات العمومية بما يضمن حماية الحقوق الأساسية داخل الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للمواطنين.
وفي السياق نفسه، ناقش الدكتور كمال الهشومي رهانات التأطير القانوني للذكاء الاصطناعي، متوقفا عند التحديات التي تطرحها الأنظمة الذكية على مستوى المسؤولية القانونية والشفافية والمساءلة. وأكد أن التقدم التكنولوجي يحتاج إلى مواكبة تشريعية وأخلاقية قادرة على ضمان التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق والحريات.
من جهته، تناول الأستاذ محمد أكريران الآثار النفسية والاجتماعية للتحولات الرقمية على الأطفال واليافعين، مبرزاً أن الأجيال الجديدة تعيش داخل فضاءات تجمع بين الواقع والعالم الافتراضي، الأمر الذي يطرح أسئلة جديدة حول التوازن النفسي والعلاقات الأسرية والاجتماعية وأنماط التواصل داخل المجتمع.
وقد أظهرت المناقشات التي أعقبت مختلف المداخلات أن موضوع الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تقنية تخص الخبراء والمتخصصين فقط، بل أصبح موضوعاً مجتمعياً بامتياز يفرض نفسه على الفاعلين التربويين والثقافيين والحقوقيين وصناع القرار العمومي.
كما أبرزت النقاشات الحاجة إلى تطوير سياسات عمومية قادرة على مواكبة التحول الرقمي، وإلى تعزيز الاستثمار في التربية والتكوين والبحث العلمي باعتبارها المداخل الأساسية لبناء مجتمع المعرفة وتقليص الفجوة الرقمية.
وخلص المشاركون إلى أن الرهان الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بالتكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما بقدرة المجتمعات على توجيه هذه التكنولوجيا لخدمة الإنسان وتعزيز قيم الحرية والعدالة والكرامة والمواطنة.
ومن هذا المنظور، شكلت الندوة الوطنية التي نظمتها جمعية الشعلة للتربية والثقافة مناسبة لتجديد النقاش حول أدوار التربية والثقافة والسياسات العمومية في مواكبة التحولات الرقمية، وحول مسؤولية مختلف الفاعلين في إعداد الأجيال الصاعدة للتفاعل مع عالم جديد تتسارع فيه التحولات وتتجدد فيه الأسئلة المرتبطة بمستقبل الإنسان والمجتمع.

