العفو الملكي… حين تتحول السياسة إلى أخلاق والدبلوماسية إلى إنسانية
سياسي: رشيد لمسلم
في لحظة إقليمية ودولية تتعاظم فيها خطابات الانغلاق والتوتر، يطلّ المغرب مرة أخرى من نافذة قيمه الحضارية العميقة، ليؤكد أن الدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك أدوات النفوذ، بل أيضا تلك التي تمتلك القدرة على ممارسة الرحمة بحكمة، والإنسانية بسيادة، والتسامح بثقة في الذات. ومن هذا الأفق الرفيع، جاء البلاغ الصادر عن الديوان الملكي، المتعلق بالعفو المولوي الكريم الذي تفضل به صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لفائدة عدد من المشجعين السنغاليين المحكوم عليهم على خلفية أحداث رافقت منافسات كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم، التي احتضنتها المملكة بين دجنبر 2025 ويناير 2026.
إن هذا القرار الملكي لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً قانونيا معزولا أو مناسبة بروتوكولية مرتبطة بعيد الأضحى فحسب، بل هو فعل سيادي كثيف الدلالات، يختزل فلسفة مغربية متجذرة في تدبير السلطة والعلاقات الدولية والبعد الإنساني للدولة.
فالعفو هنا يتجاوز معناه الإجرائي ليصبح رسالة حضارية كاملة، عنوانها أن العدالة لا تنفصل عن الرحمة، وأن هيبة الدولة لا تتعارض مع التسامح، بل تزداد قوة حين تكون قادرة على المزاوجة بين القانون والقيم.
لقد اختار المغرب، بقيادة جلالة الملك، أن يبعث من خلال هذه الالتفاتة برسائل متعددة الاتجاهات.
أولها رسالة إلى العمق الإفريقي، مفادها أن العلاقات المغربية الإفريقية ليست رهينة الحسابات الظرفية أو المصالح العابرة، بل هي امتداد تاريخي وروحي وإنساني طويل. فالعلاقة بين المغرب والسنغال ليست علاقة دبلوماسية تقليدية بين دولتين، بل هي نموذج لأخوة إفريقية متينة، صاغتها قرون من التواصل الديني والثقافي والإنساني، ورسختها إرادة سياسية واعية لدى قيادتي البلدين.
ومن ثم، فإن العفو الملكي يحمل بعدا رمزيا قويا، لأنه يضع الإنسان الإفريقي في قلب الرؤية المغربية لإفريقيا. وهو ما ينسجم مع الاختيار الاستراتيجي الذي ما فتئ المغرب يكرسه في القارة، والقائم على التضامن والتعاون جنوب-جنوب، وعلى بناء شراكات إنسانية قبل أن تكون اقتصادية أو سياسية.
أما الرسالة الثانية، فهي موجهة إلى الداخل المغربي نفسه، حيث يبرز هذا القرار مرة أخرى الخصوصية المغربية في ممارسة السلطة، وهي خصوصية تجعل المؤسسة الملكية ليست فقط مؤسسة دستورية ضامنة للاستقرار، بل أيضا مرجعية أخلاقية وروحية تجسد قيم الرحمة والرأفة والتسامح.
فالعفو في الثقافة السياسية المغربية ليس مجرد امتياز قانوني، بل هو ممارسة سيادية ذات حمولة إنسانية، تعكس البعد الأبوي والرمزي لإمارة المؤمنين، وتترجم التوازن الدقيق بين صرامة الدولة وإنسانية الحكم.
ولعل اختيار مناسبة عيد الأضحى لإعلان هذا العفو يضاعف من عمقه الرمزي. فهذا العيد، بما يحمله من معاني الفداء والتسامح والتراحم وصلة الرحم، يشكل سياقا مثاليا لتأكيد أن المغرب يظل وفيا لجوهر هويته الحضارية، القائمة على الاعتدال والانفتاح والتشبث بالقيم الإسلامية السمحة.
ومن هنا، فإن القرار الملكي لا يخاطب فقط السنغاليين المعنيين بالعفو، بل يخاطب الضمير الإفريقي والإنساني عموما، عبر إعادة الاعتبار لقيم التسامح في عالم تتزايد فيه نزعات الانتقام والإقصاء.
ثم إن هذا البلاغ يعكس أيضا نضجا كبيرا في مفهوم القوة لدى الدولة المغربية.
فالقوة ليست دائما في العقاب، بل قد تكون أحيانا في القدرة على التسامي، وفي توظيف القانون لخدمة الاستقرار الإنساني والدبلوماسي.
والمغرب، وهو يمارس هذا العفو من موقع السيادة والثقة، يبرهن مرة أخرى على أنه دولة تعرف كيف تحول المناسبات الرياضية والثقافية إلى جسور للتقارب بين الشعوب، لا إلى بؤر للتوتر أو القطيعة.
لقد دأب المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، على تقديم نموذج متفرد في تدبير علاقاته الإفريقية، يقوم على الاحترام المتبادل والروابط الإنسانية العميقة.
ومن هنا، فإن هذا العفو الملكي ليس حدثا عابرا، بل حلقة جديدة في مسار دبلوماسية إنسانية راقية، تجعل من الأخلاق رافعة للسياسة، ومن القيم أداة لتعزيز الحضور المغربي في إفريقيا.
إنها لحظة تختزل الكثير من معاني الدولة المغربية الحديثة: دولة قوية بمؤسساتها، واثقة في نفسها، متشبثة بعمقها الإفريقي، ومؤمنة بأن الرحمة ليست ضعفا، بل أحد أعلى تجليات القوة الحضارية.
