الحكامة من منظور الوزير ومن منظور مجلس المنافسة

محمد إنفي

في حكومة بلادنا وزير للحكامة؛ ولهذه الأخيرة مؤسسات وهيئات دستورية. لكن، قبل التطرق لمنظور كل منهما، لنتساءل: ما المقصود بالحكامة؟
باختصار شديد، الحكامة (la gouvernance) تهم التدبير. ومن المنظور الذي يعنينا، فالمقصود بها هو تدبير شؤون الدولة والمجتمع.

والتدبير (كما التسيير) قد يكون سيئا وقد يكون جيدا (ويمكن، في هذه الحالة، الحديث عن حسن التدبير أو الحكم الجيد أو غير ذلك من الألفاظ التي تفيد الجودة). لذلك يتم التنصيص، في الدساتير مثلا، على الحكامة الجيدة (la bonne gouvernance) التي يتطلب تطبيقها فصل السلط والتوازن بينها وسيادة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ودولة الحق والقانون والمشاركة واللامركزية والتنسيق بين كل المتدخلين، وغير ذلك من المبادئ والآليات التي يقوم عليها حسن التدبير.
وقد أعطى دستور فاتح يوليوز 2011 أهمية خاصة لموضوع الحكامة، حيث خصص له بابا كاملا، و هو الباب الثاني عشر الذي يتكون من 18 فصلا، من الفصل 154 إلى الفصل 171. ويجد المهتم، في هذا الباب، كل ما يتعلق بالمبادئ العامة للحكامة الجيدة وبالمؤسسات والهيئات ذات الصلة. ويجب التذكير بأن الإشارة إلى مبادئ الحكامة الجيدة قد وردت في الفصل الأول من الدستور، كإحدى ركائز النظام الدستوري للمملكة.
وأود أن أشير، هنا، إلى أن الهدف من هذا المقال ليس التطرق لمسألة الحكامة الجيدة ومؤسساتها وهيئاتها كما جاءت في الدستور؛ وليس الغرض منه تحليل واقع هذه المؤسسات ومواكبة أعمالها (فهذا شغل أهل الاختصاص)؛ وإنما الغرض منه هو التفاعل مع رد فعل وزير الشؤون العامة والحكامة حول التقرير الذي أصدره مجلس المنافسة في أول اجتماع له، رفض من خلاله طلب تسقيف أسعار المحروقات السائلة، الذي تقدم به السيد لحسن الداودي، لكون التسقيف لن يكون كافيا ومجديا من الناحية الاقتصادية والتنافسية، ومن زاوية العدالة الاجتماعية.
شخصيا، لم يفاجئني رد فعل الداودي على تقرير مجلس المنافسة. فالرجل معروف بسلوكه الانفعالي المستفز والمقزز(نثر سنيذة بالبرلمان كمثال)؛ ومعروف، أيضا، بخطابه الشعبوي الممزوج بالعجرفة والتعالي والمغرق في الإيديولوجية الفجة.
وما كنت لأعير له أي اهتمام لولا هجومه على إحدى هيئات الحكامة (مجلس المنافسة)، وهو المفروض فيه، كوزير للحكامة، أن يحترم مؤسساتها وهيئاتها الدستورية (وكذا القائمين عليها)، لا أن يهاجمها، متى لم توافق تقاريرها أو توصياتها منظوره الإيديولوجي أو التدبيري.
وتبين لنا هذه “الواقعة” (هجوم وزير الحكامة على مجلس المنافسة) الفرق بين السياسي ذي الأفق الضيق والسياسي ذي الأفق الرحب. فوزير الحكامة – الذي مهمته “المساهمة في إعداد وتتبع تنفيذ سياسة الحكومة في مجالات الحكامة والشؤون الاقتصادية والمنافسة والأسعار…”(من ” ملخص حول تحديد اختصاصات وتنظيم الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالشؤون العامة والحكامة”، الموقع الرسمي للوزارة) – لا يرى أبعد من أنفه في مسألة المنافسة؛ بينما تقرير مجلس المنافسة – الذي يرأسه رجل له تكوين سياسي صلب وعميق (وأظن أن كل أعضاء المجلس هم كذلك)- تلوح منه سعة الأفق والرؤية البعيدة.
ويكفي أن نقف عند التهمة التي بنى عليها لحسن الداودي هجومه، وهي تهمة ممارسة السياسة ومعارضة الحكومة، لندرك محدودية وسطحية تفكير وزيرنا في الحكامة؛ وكأني به يريد من مجلس المنافسة أن لا يكون له رأي فيما يقدم له من طلبات من أجل إبداء الرأي. فحسب منطق الداودي، فإن هذه الهيئة الدستورية عليها أن توافق على ما يُقدم لها من طلبات من قبل الحكومة؛ وإلا فإنها تعارض الحكومة؛ وبالتالي، فهي تمارس السياسة.
وبما أن المجلس المذكور قد “تجرأ” ورفض الطلب الذي تقدم به الداودي، باسم الحكومة، بخصوص تسقيف أسعار المحروقات السائلة، فإنه، في نظر وزير الحكامة، قد تدخل في ما لا يعنيه. فبالنسبة له، لا يحق لمجلس المنافسة، كهيئة للحكامة، أن يتدخل في تقييم قرارات الحكومة.
لا أتصور أن هناك شخصا عاقلا، يفكر بحيادية وبموضوعية، سيوافق وزير الحكامة على رأيه في مجلس المنافسة الذي يرأسه رجل معروف بعلمه وتحاليله العميقة والرصينة وخبرته الكبيرة في الميدان الاقتصادي والاجتماعي. فالرجل، بخبرته السياسية (كمناضل) والمعرفية والتدبيرية، يملك رؤية إستراتيجية، ليس فقط بالنسبة للمهمة التي أسندت إليه، وإنما أيضا بالنسبة للمشروع المجتمعي الذي يحلم به كل ديمقراطي وكل مهموم ومهووس بقضايا الصالح العام. فلا غرابة، إذن، في أن يكون لمجلس المنافسة – الذي به أناس يعرفون دورهم ويعرفون أهمية المنافسة في الدورة الاقتصادية وفي الحياة الاجتماعية- رأي يخالف النظرة التجزيئية للحكومة، في شخص وزيرها في الحكامة، في ما يخص مسألة المنافسة في قطاع المحروقات.
ولذلك، لا أفهم كيف يريد لحسن الدواودي من هيئة يرأسها الدكتور إدريس الكراوي – الذي لن يرضى بديلا عن المنافسة الشريفة وعن الشفافية، ولن يقبل بالحلول الجزئية في موضوع ذي طبيعة إستراتيجية – أن لا تتدخل في تقييم قرار الحكومة السابقة التي حررت المواد البترولية، دون الاكتراث بالانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لعملية التحرير هذه؛ تلك الانعكاسات التي يتخبط فيها الجميع حاليا، بما في ذلك الحكومة. وما تقديم وزير الحكامة لطلب تسقيف أسعار المحروقات، إلا أحد تجليات هذا التخبط.
وشتان بين المنظور الضيق لوزير الحكامة (الذي يرى الحل في تسقيف الأسعار، الذي ليس سوى زوبعة في فنجان) وبين المنظور الإستراتيجي لمجلس المنافسة الذي يرى أن حماية القدرة الشرائية للمستهلكين وضمان تمويل السوق وتنافسية القطاع وجاذبية الاستثمار… يحتاج إلى إصلاح بنيوي شامل يمس جميع مكونات القطاع.
وانسجاما مع هذا المنظور الإستراتيجي، فقد أوصى مجلس المنافسة الحكومة بالقيام بإصلاحات تقوم على أربع ركائز(إعادة الامتلاك الوطني لنشاط التكرير مع تشجيع الاستثمارات في قدرات التخزين، حل عوائق التوزيع بالجمة والتقسيط، تبسيط نظام الرخص بالنسبة لمحطات الوقود، إخضاع سوق المحروقات لآليات التقنين القطاعي، على غرار قطاع الاتصالات) حتى يصبح القطاع أكثر تنافسية وأكثر نجاعة من الناحية الاقتصادية وأكثر إسهاما في تحقيق العدالة الاجتماعية.
بعد كل هذا، أليس اتهام مجلس المنافسة بممارسة السياسة تعبيرا عن عدم قدرة وزير الحكامة على استيعاب الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لتقرير هذا المجلس وتوصياته؟ أليس سخيفا ومخجلا أن يصدر هذا الاتهام عن وزير دكتور في الاقتصاد وقيادي في حزب سياسي؟ ألا يدل هذا على الفقر المعرفي وعلى الجهل بميكانيزمات السوق وقانون المنافسة؟ ألا يدل مفهوم السياسة لدى وزير الحكامة على قصور فكري ومحدودية في الفهم والإدراك لما تعنيه هذه الكلمة؟ وألا…؟ وألا…؟
ختاما، أحيل القارئ، للاستزادة، على عمود الأخ عبد الحميد جماهري، مدير النشر والتحرير بجريدة “الاتحاد الاشتراكي” (السبت/الأحد 23/24 فبراير 2019)، بعنوان “الحكومة والحكامة: نزاع الحداثة الليبرالية والدولة الاجتماعية؟”.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*