نوستالجيا الأمكنة مقهى كولومبو – وجدة

عبد السلام المساوي

23 اكتوبر 1980 عانقت وجدة ، المدينة التي لم يسبق لي ان زرتها ؛ أجهل تفاصيلها وأحياءها ، أهاليها وأمكنتها ….لم أتعب كثيرا ؛ في شارع محمد الخامس استضافني مقهى كولومبو …

مكان ليس ككل الأمكنة ؛ مقهى بنكهة خاصة وطقوس خاصة …منذ البداية عشقت المكان ، وما زال هذا العشق يسكنني …قد أغيب عن المكان ، وقد يطول الغياب أحيانا ، ولكن الحنين يشدني دائما الى اول مقهى ….احن الى قهوة كولومبو ، الى حلوى كولومبو …الى خدمات كولومبو …
منذ البداية لاحظت ان المكان متميز ، متميز من حيث خدماته ، متميز من حيث زبنائه ؛ فضاء يقصده الفرنسيون والفرنسيات ، الاوروبيون والمغاربيون …يرتاحون إليه وفيه ، يعتبرونه قطعة من مدينة الانوار باريس …فضاء تلتقي فيه نخبة وجدة …فضاء محجوز للخاصة ….لا يدخل هنا الا من كان حداثيا ، من كان مثقفا ….فضاء للنقاش والتواصل …فضاء ثقافي وسياسي …
عندما أجلس في مقهى كولومبو ؛ أعود إلى ذاتي ، الى بداياتي الاولى بوجدة …اتذكر زملائي واصدقائي …اتذكر ميكي وميمي وعبد الله ….اتذكر حسن واحميدة وجلالي وهم صغار …اتذكر أيام حبي لامرأة ستصبح زوجتي ، اتذكر الجلسات التي كانت تجمعني بها في كولومبو ؛ في مرحلة الخطوبة ومراحل بعد الخطوبة …اولادي وبناتي أحبوا المكان وهم صغار ، ومازالوا أوفياء للمكان وهم كبار …في كولومبو خفق القلب لحب امراة اسمها فريدة ؛ أم غسان والياس ، صابرين وصفاء …في كولومبو خفق القلب للحب وللحياة في غشت من صيف 1982…
مقهى كولومبو رمز ثقافي وملتقى حضاري ؛ لم تكن مقهى كولومبو فضاء لتزجية الوقت ولا محطة لاستراحة المحارب اليومي اللاهث وراء شغف العيش بقدر ما كانت فضاء رمزيا لاشتغال العين السوسيولوجية الفاحصة لتغيرات القيم والمواقف والافكار ؛ ولنقل ان مقهى كولومبو كانت نقطة التلاقي التي يمكن أن نقرأ من خلالها تحولات المجتمع ، وأن نسمع عبرها أصوات التنافر والتجانس التي يحبل بها الواقع ، ثم نعيد تركيب السياقات والوقائع والرموز والأعلام في إطار نظيمة فعلي التأمل والتمثل ، وهما من المقومات المركزية في الكتابة الإبداعية ، التخييلية الرحبة ، وكذا في الاستثمار النظري التشريحي للقضايا الفكرية التي تنتجها الذوات الفردية والجماعية …
لم تكن ، ولن تكون ، مقهى كولومبو فضاء يقع على هامش الحياة او ملاذا لتبديد الوقت ، وممارسة بعض الألعاب الشعبية المتعارف عليها ببعض المقاهي …ولم تكن تجمعا لمشاهدة التليفزيون ومتابعة مباريات كرة القدم في إطار بطولة الليغا الاسبانية …انها كانت عنصرا رئيسا في البنية العمرانية لمدينة وجدة …
كانت المدة الزمنية التي نقضيها في مقهى كولومبو اكبر من مختلف الأزمنة الأخرى ؛ العمل والبيت . فكانت المواعيد في كولومبو يومية وقارة …
لعبت كولومبو دورا مهما في حياة زبنائها لتصبح شاهدا على مختلف العلاقات والاحداث والإبداعات بين مرتاديها من أصحاب القلم ، كما لعبت أدوارا طلائعية في اكتشاف الفنانين ومد جسور التواصل بين المبدعين ورجال السياسة ومختلف الفئات الاجتماعية ومنبعا لظهور عدة منابر صحفية…
ان مقهى كولومبو تذكرنا بظاهرة المقاهي والصالونات التي عرفتها فرنسا في القرن 18 ، عندما تحولت إلى حضن لبلورة فكر الأنوار ، وأنتجت أعمالا كبيرة لا زالت تحظى براهنيتها الأكيدة ، رغم تغير الأزمنة والأحوال . ومن خلال هذه الفضاءات ، امكن قراءة المنطلقات النظرية والاجتهادات التنويرية للمرحلة بتتبع مسار التجارب المؤسسة لهوية التجديد الفكري الفرنسي للمرحلة ، مثل ما هو الحال مع مشروع الانسكلوبيديا التي أنجزها ديدرو او اعمال رواد الفكر السياسي المعاصر من أمثال مونتيسكيو وجان جاك روسو وفولتير…..وغيرهم من الأعلام الذين جعلوا من المقهى ملتقى للفكر وللحوار وللابداع ….
يتبع ؛ تدمير سينما باريس محو لذاكرة وجدة

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*