مفهوم التأويل الفني والوعي الجمالي عند غدامير

إن تقنية التأويل شكل الغذاء الروحي لهذا المشروع المرتبط بالأزمنة الحديثة برمتها، ولذا ينبغي على كل طرح معرفي أن يتأسس بالنسبة إليه على مبادئ يقينية، لذا كان ينظر إلى المعرفة المبنية على الأحكام السابقة نظرة ريبة، ويستبعد صلاحيتها كأساس للمعرفة، ذلك أن الأسس التي تقوم عليها هذه الأحكام تفتقر إلى يفين مطلق في مواجهة أي شك محتمل فالأساس في نظر ديكارت هي بداهة الكوجيطو “الأنا أفكر” فهو الأساس والمبدأ الذي لا يصمد أمامه الشك(1) لكي نتمكن من ولوج دائرة التراث لمحاولة الإجابة عن السؤال: كيف تحاول التأويل مع التراث؟ وكيف نؤول التراث كغرض مسرحي؟ وما هي شروط هذا التأويل الدرامي؟ وما هي مقوماته الفنية والجمالية؟

إن الوعي بالصيرورة يشكل محور ما نعنيه بالحداثة، فقد تحقق هذا الانتقال من مفهوم الجوهر إلى مفهوم التوليدية أو التحويلية على مختلف الأصعدة كما يقول نديم البيطار(2) وظهر إلى الوجود مفهوم “الهيرمينوطيقا وخاصة مع هيدجر الذي خاض حربا، سرعان ما وجدت هذه الأفكار اكتمالها عند كادامير(3).

سواء في التاريخ، والفلسفة، والفن، حيث اتسع ليشمل كل ما هو قابل للتفسير والفهم، لأن الفن يمنحه رؤية لهذه الحقيقة كمحاولة لتجاوز الاغتراب الساكن في وعي الإنسان المغترب، والكشف عن هذا التراث بوعي جدلي يربط بين البعد الفوقي والبعد التحتي، وهذا الترابط هو الذي يجعل التراث عبارة عن خطاب مفتوح، قابل أن يغاير المألوف بتأويل، حتى أصبح السؤال في ق 17 معرفيا، ما هو وضع معرفتنا؟ كيف نعرف أننا نعرف؟ لذا أصبحت الفلسفة خادمة للاهوت وخادمة لما يسمى بالعلوم الحديثة كما يقول كادامير ص 16، لأن مفهوم العلم لا ينشأ فقط من التجربة، لكن بالاستناد إلى منهجه الخاص الذي يمكن أن يسمى تجريبيا منذ القرن 17، لكنه ثم اصطناعه أيضا كمبدأ للفلسفة الحديثة في ق 19، مما أدى إلى دخول الإنسان عصر الوضعية بكل أنواعها، وهي التي تعمل على رفض “البنية” والتأمل الخالص بهذا المعنى تطورت هذه الفلسفة الكانطية الجديدة عملت كما ذكرت على إلغاء “الشيء في ذاته”، قصد تأسيس العنصر الواقعي كما رفض من طرف فيتشه Fichte وهيجل Hegel كمفهوم دوغماتيكي معاد لتفسيره على التوالي والذي يتسم بمحدودية الفهم”(4).
إن هذه السيرورة المعرفية دفعت المعرفة الجديدة إلى القطيعة مع المثالية الهيجلية، ونسيانها للوجود، مما جعل هذا النقد كما يقول غادامير”يعطي للفهم معنى مختلف تماما، فوفقا لكير كجارد يكون الآخر هو الذي يقتحم الآنا ويقدم لي شيئا لكي أفهمه، هذا الباعث الكير كجاردي قد أرشدني منذ البداية ودخل في محاضراتي بشكل تام عام 1943″(5).
ويرى أن الكانطية الجديدة ليست عودة إليه، بل إلى قطعية لتجعل المفهوم المتعلق بنظام الفلسفة مألوفا في الجامعات، لأن الكانطيين الجدد بعيدين عن كانط، ولأنهم يحافظون بعنصر واقعي (في فلسفة كانط المثالية) وقد وضح هوسرل هذا البعد الواقعي للوجود في ذاته عبر تحليله لفينومينولوجيا الإدراك(6).
إذن كيف يمكن لنص ما أن يتحدث عن الأخلاق الإنسانية من خلال الخبرات الأساسية لحياتنا المعيشية؟
وهل هو، معرفة المعرفة (إعادة إنتاج وإعادة بناء بمصطلح بوخBockh(7)،إن هذا البعد الفيلولوجي هو نقل المعنى التي تكون مخالفة للتاريخ، وموافقة لحدوسنا الذاتية، إذن علينا نرتبط بالتهذيب التطور الذاتي للغة وبتلك الأذن الداخلية والتي بدونها يكون الحكم الدرامي مستحيلا، وهذه النظرة الفينومينولوجيا التي حاولت التعامل مع النصوص بدون تحيز بعيدة عن السميولوجيا والسيكولوجيا، لأن الفن يعني أكثر ما يقصده المؤلف على نحو واع، ويقول غادامير “إن ما يشير المفسر لهذه الزيادة، فإنه لا يبرهن على تفوقه على المؤلف نفسه، والمفسر أيضا يعني أكثر مما يقصده، فتفسيره أيضا له أفق ويكون منفتحا بذلك على التفسير على التوحد مع السابق واللاحق”(8).
فهذا الأفق هو استدعاء، وحياة، وسعادةوغواية ومحرك، وزمن مناقض للعالم الموضوعي العلمي، لأنه يرتبط هذا المضمر بالواقع المادي أكثر ما يرتبط بالبعد المثالي. حيث أن إدراكية هيدجر الزمنية الوجود هو الذي مكنه من تجاوز التراث لتسندا ليته الذاتية، ومن ثم اعتبار الفهم هو الشكل الأصيل لإدراك الوجود هناك therebeing الذي هو الوجود في العالم being the world(9)فالإنسانكموجود متناهي، فإنه يوجد باستمرار في عملية صيرورة، وأنه لن يصل إلى المعرفة المطلقة التي ناد بها هيجل (استكمال النظام) المتعلق بفلسفة العقل، وهذه الرؤية الوجودية لا تنظر إلى الشيء في ذاته، بل يتطلب منه تكشف للحجب حتى يستطيع أن يفصح عن نفسه دون الحاجة، لأن يتألف من بنية نظرية مغلوطة وزائفة كما يقول غادامير(10) وهذا الكشف هو استخراج الشيء من ذاته لذاته، بواقعية غير محدودة، تلقي كل فهم كمعطى، من أجل كل شيء الذي يبقى مفتوحا وغير نهائي ليصبح لحظة مرئيا في ضوء مختلف.
فغدامير في طروحاته يريد أن يجد وسيلة لفهم الآخر، لأنه له أهمية جوهرية، وهذا الآخر يظهر لنا وجوده الأصلي كعامل محدود.فالآخر هو ضد نفسي، هو الذي سيسمح لي في النهاية ولأول مرة بالانفتاح على الإمكانية الحقيقة للفهم ذلك بتجاوز الإمكانات الذاتية والعملية الحوارية الهيرمينوطيقية”(11)فتأطير عملية القراءة التأويلية تشير إلى هذه الفلسفة التي تطرح الضرورة التمسرحية قصد تأسيس أخلاق الحرية التعبيرية والمسؤولية، باعتبارها نموذجا جديدا يحتل فيه الجمهور مكانة مميزة، نظرا للدينامية التي يبدعها ويخلقها لنفسه، لأن هذه الصعوبات تبتدئ في الظهور المطالب الجديدة. مما يستدعي تشكل حساسية جديدة عند القارئ النموذجي، وتجعله يتجاوز كل القراءات الميتافيزيقيا النصية التي تتأسس على الثنائيات: النص، العرضي – الحدس والجدل، وبين المقول والمسكوت عنه، كما عند هيدجر، حيث يفضل الرجوع فيما وراء الأشياء والإمكانيات المرئية تاريخيا، والمتخفقة فكريا لشيء ما قبلي كخبرة أكثر أصالة للحقيقة والزيف”(12) بينما يعرض غادامير جملة من المفارقات في طائفة من القراءات لقضايا متعددة كاللغة، والحقيقة وكالكتابة من وجهة نظر الحداثة وغيرها من الوسائل، لأن الغاية منها هي تجلية عدد الأغمـاض المضمرة إلى مقاومة كل إغراء لقبول أنفسنا في لعـب اللغـة THE PLAY OF LANGUAGE AND INSIGHT. فالتأويل ينطوي على رؤية إفهامية حول خبرتنا الذاتية، ولأن هذه العملية تقتضي هنا الوعي خارج الذات لمعرفة لما يحدث للجمال من خلال الخبرة. دون تجرده من المعنى، وهذا ما يقربنا من أنصار التأويل دون السقوط في الأخلاق، والدين، ولذا ننظر إلى العمل المدروس من حيث وجوده الذاتي، والمابعد الذاتي.
وعلى أهمية هذه القراءة المضاعفة بالنسبة للمؤول لأنه قد أصبح على ألفة بها من خلال التراث الذي وجد في ذلك الوقت في التأويل نوعا من المساعدة التمسرحية في قطيعته مع التجارب السابقة المستلهمة بواسطة والتأويل، إلا أن مدخله الحقيقي لفهم التجارب وأهميتها لفهمه للعالم يدين له للقائه مع الصورة السينمائية والمواضيع الحاضرة فيها كميراث جديد يعمل بطريقة لا وعية على إعادة التحول إلى الأشياء ذاتها لكي يعبر الفن عن نفسه في تحول المعارف والثقافات من النص إلى الموضوع إلى الجوهر داخل اللغة الدراماتيكية.
بناء على ذلك تعلم غدامير من التجارب السابقة بوعي منهجي الذي تشكل من خلال التصورات المادية التاريخية، والإيديولوجية، وتحت هذا التأثير أسس لنفسه نظريته في المعرفة الدرامية، المتنوعة ويقول غامدير “لا يوجد موقف متميز لا في الماضي ولا في الحاضر، ولا يوجد مواقف متناقضة خالصة، لا يمكن تعلم شيء من خلالها ولا أوضاع خالصة، لا تحتاج فيها لأن نكون واعين نقديا بالمحددات الممكنة”(13).
فهذا التحول الأنطولوجي للإدراك، والتصور، جعل غادامير لا يحرر نفسه من واقعيته الخالصة، ومن الشرط الأنطولوجي المتعلق بالامتلاك والامتلاء المستمر والمسبق لمواقف زمنية متناهية، باعتبارها أفقا تتحرر فيها الموجودات، والكائنات التي يفسر المخرج معناها الأولي بالنسبة إليه، وهذا الاستحضار resencing للموجودات كبنية حداثية، وكأسلوب الحقيقة باعتبارها لا تحتجب عنا التمظهر والتحجب، لأن حقيقة التمسرح كـ “الجسدي، واللغوي، والديكور، والإنارة، والموسيقى، والصوت، والكوليجراف … كلها علامات وجودية، لأن وجودها وفقا لرؤية هيدجر ليست مرتبطة باختيارنا لكنه فقط واقع Fact، وشكل من أشكال الحياة ذاتها(14).
فمفتاح الرؤية عنده لا تكمن في بداية الصفر، بل في التأكيد في الدور المحوري الذي تلعبه اللغة الدرامية، فهي تسكنه قبل أن يسكنها، لذا ينبغي أن نستمع إليها، وبالتالي الذي يأتي إليه فيها، فاللغة هي التي تقود تفكيرنا إلى أبعد المسافات لتشكل مقاومة إبداعية جديدة(15).
مفهوم الجمال عند غامادير:
إذا كان الفن هو الفيض كما يقول هيدجر، وهو لقاء الذات بالفن وهذا ما يسميه غدامير(كلام الأفاق، وأن تنصت حتى إلى الصوت الصامت للجمهور (ص 26).
فجادامير يرفض الثنائية الميتافيزيقية المتقابلة: الذات/ الموضوع، الروح / الجسد العقل / الطبيعة، مما أدى به إلى شرح نوع من الوحدة المتميزة تخالف الوحدة المطلقة التي وضعها هيجل كي تضع كل المتناقضات في المهمش، فالجمال لا يتحقق إلا بواسطة التأويل، لأنه السبب في التنوير لأن الهرمينوطيقا (Hermeneutik إذن Hermenenties، يعود إلى الفعل اليوناني Hermeneuein الذي يترجم عادة بالفعل يفسر Interpret ومنه الاسم Hermeneia أو التفسير Interpretation، وتشير المصادر أن كلمة اليونانية Hermeiosكاهنة معبد دلفي كما يشير الفعل Hermeneuein، ويبدو أن الكلمة المتحدث عنها قد اشتقت من الاسم أو العكس هو الصحيح(16) ويرى بعض النقاد أن الهرميوطيقا قد عرف لدى المصريين القدماء انطلاقا من رسول الآلهة في الأسطورة اليونانية الذي هو هرمس Hermes وهو الإله المتحول عن إله المصريين نحوت Theth أو توت، وكلا الإلهين هما من جنس آلهة الكلام والقول، ولقد انتقل هذا المفهوم من فضاء تفسير النص الهوميري (إنجيل اليونان) إلى مجال تفسير الكتب المقدسة في العصور، والهيرمينوطيقا
L’herméneutique est la théorie de la lecture d’explication et de l’interprétation des textes, L’herméneutiqueaucieme ont formée de deux opprobres complétement de fleuretés, la logique d’origine aristoteliciemme d’une part l’inter prestation des textes religient et l’hermétisme d’autre par Wikipédia
وهناك من يرى أن المفسرين قد وضعوا معايير وقواعد التي يمكن من خلالها فهم النص المقدس المثبت الموصى به”(17).
والهيرمينوطيقا هي القول Tosay والتوضيح explain، والترجمة To translate فيختص الأول بالتعبيرات، والثانية بالمواقف، والثالث باللغات الأجنبية وتقول صفاء جعفر في هذا المقام “إنه علم فقه اللغة، وهي علم الفهم اللغوي، وهي الأساس المنهجي للعلوم الإنسانية، وهي فينومينولوجيا الوجود، والفهم الوجودي كما عند هيدجر، وهي في النهاية أنساق التفسير الإنسان للوصول إلى معنى يتجاوز الأساطير والرموز”(18).
فالهيرمينوطيقا ليست متعلقة بمنهج للفهم تكون النصوص بواسطته موضوعا للبحث العلمي مثله مثل كل موضوعات الخبرة الأخرى”(19) فهذا الاستخدام لهذا المفهوم في عملية التبليغ، خصوصا وأننا يمكن فهم المصطلح بواسطة الصورة داخل الخطاب المقدس أو الكتاب المقدس Biblicalexegesis من الزاوية البيداغوجية كإحدى وسائل مقاربة الحقيقة، غير أن علاقة المصطلح بالبنية المفاهيمية للخطاب تخضع دائما للصورة التي تكونها الهيرمينوطيقا عن ذاتها، فبينما لا تمس الاستعارات والصور التحليلات المفسر في المحتوى بل في نمط العرض، لأن الحقيقة ليست صورة عند المخرج، بل نجد التعدد يمس بشكل جوهري الحقائق عنده فتجعلها مجرة استعارة، ورمز يؤثر على الوظيفة الدلالية وعلى التصور المجرد (العقلي)، فالتأويل هو الذي يحدد ما إذا كانت الصورة التمسرحية وسيلة من بين وسائل أخرى لبيان وتبليغ الحقائق، والصور، من هنا نطرح السؤال التالي، كيف يكون الفهم ممكنا؟
إن الفهم يشكل وسيطا يشيد جسرا للتفاهم بين عالمين: عالم النص وعالم المعيش.
فهذه الوساطة هي ما يضطلع بها هرمس فهو الوسيط الذي ينقل رسائل زيوس إلى البشر بحيث يقي جسرا للتفاهم بينها(20) فالهيرمينوطيقا لم تؤسس مرجعيتهاكبعد تأويلي، وكنظرية في التفسير إلا في العصور الوسطى(21).
إلا أن هذا المفهوم وضع لنفسه مبادئ واضحة للتمييز والترجيح، وأن كل من خالف هذه القواعد سوف يتعرض للموت حرقا بتهمة الهرطقة ويقول هشام معافة في هذا العدد: إن القراءة هي خضوع وإذعان للنظام والتقليد المسيحي للكنيسة حيث أن التعليقات التي توضع في هامش النص الإنجيلي أصبحت ذات أهمية تكاد تتساوى الإنجيل ذاته”(22) يغدو التأويل إذا فلسفة روحانية تخترق حدود الفكر، والمعرفة، لا تتوق إلا بناء الصروح التي ألفناها في حاضرنا، لأن التفكير العقلي حسب توماس الاكوني، يعني التفكير بكيفية تتطابق مع عقل الله، ومعه أصبحت النصوص الدينية عبارة عن حجج وبراهيم لا تتساوق إلا مع الشروط المعرفة الروحية الحرفية، وهكذا تخلصت هذه القراءة الروحانية من الرمز والأسطورة(23).
فتكوين الوعي الذاتي، هو وعي زمني وعامل محدد لأسلوب قراءة الحاضر، لأن العلاقةالحميمية بين النص والحياة هي إبداع للمفاهيم، وحفر في أنظمة المعرفة الأدبية، والدرامية، وتأسيسا لاستراتيجية السؤال، وسعيا لفهم “التأويل” ففي هذه المقاربة الدرامية للمبدع غدامير، حيث تبقى حوارا تساؤليا بين “النص” و”العرض” عبر وسيط واللغة، بما هي مسكن الجسد حسب تعبير هيدجر، فالممثل يبقى كينونة لغوية يتحول من كائنه الطبيعي إلى كائنه الرمزي، وهذه القفزة التحويلية هي إطلاق العنان للخيال لتجاوز كل الدلالات الحرفية قصد تعزيز إيماننا بالقراءة(24).
فهذه القراءة هي أثر حاسم في وضع الحدود بين المقدس، والمدنس، وترسيخ الإيمان بقدرة العقل (حسب مفهوم ديكارت) على الفهم والتعرف على ذواتنا والعالم الذي نعيشه(25).ولهذا اتخذت القراءة الهيرمينوطيقا على يد شلايرماخر فهما نقديا لكل قراءة فيلولوجية (فقهية) ولم “تعد مجرد مجموعة من القواعد، بل أصبحت علما يصف الشروط اللازمة للفهم”(26). انطلاقا من هذا النسق الفكري نستشف الحقيقة من داخل تأويلات اللغة ليغدو الفهم ذاته تأويلا واضحا يقتضي بدوره فهما، مما يجعلنا داخل حلقة تأويلية ستفتح أعين هيدجر على طبيعة التأويل والفهم الأنطولوجي لكي يمتلك المفاهيم ويتمسك بتلابيب الوجود، واللغة والتواصل داخل الإنسانيات وعالم الحياة على أساس الطبيعة اللغوية التي يختص بها انتماؤها إلى العالم، الذي لا يقوم في غناء عن اللغة وبالتالي في غناء عن عالم الفهم الذي يقتضي اللغة في التحقق والاستمداد على التسوية”(27) فالمهمة التي تطمح الهرمينوطيقا هي البحث عن تجربة الحقيقة التي تتجاوز أفق المنهج العلمي وآلياته وتتجلى في الفن، والتاريخ، والقدرة الإبداعية.
للإنسان حسب تعبير جيل دولوز في كتابه “نيتشه والفلسفة”(28) حيث لا ينفصل تصور دولوز للفن عن تصوره الحيوي للطبيعة، بحيث يرى أن الفن جزء من الطبيعة، والطبيعة يتخللها الفن حتى صار إيقاعا واحدا (Symbiose) وتألف في الحياة، والكون، وكل شيء يفترض التأويل، وكل موجود لديه إمكانية صيرورته، أي يفترض وجود آخر غير وجوده حسب تعبير جيل دولوزGdeleuze، وهذه القراءة الجنيالوجية في أصولها المعرفية ليس لاكتشاف ما هو مدون سابقا ولكن للنبش في آثاره الذي يسبق كل معرفة. باعتبارها الأصل الذي لا أصل له.
إنغادامير وعلى غرار هيدجر، يرفض تلك النظرة التي ترى الهرمينوطيقا مجرد منهج للعلوم الإنسانية والتاريخية فهي حسب قوله (غادامير) حيث تتمركز حول عملية الفهم الإنسانية، والفهم ليس فعلا تحققه منهجا وموضوعيا، وإنما حدث، ويقول غادامير في هذا الصدد: “إن ما يجب أن نفعله ونقوله، إنما المهر الذي يحدث ويقع فيما وراء إرادتنا وفعلنا عندما نفهم ونسكن العالم والكون”(29) إن غادامير يعود إلى النبش في العمق الذي هو الأرضية المرتبطة بماء الحياة، لأن الرؤية الهرمينوطيقا القديمة كانت مرتبطة بالمنهج الخاص بالعلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية، ومع ذلك فإن البحث العميق في ظاهرة الفهم كفيل بأن يبرر مشروعية الحقيقة التي تتخطى العلوم وآلياته المنهجية من أجل “القبض على حقائق يعجز العلم على التثبت منها بأدواته المنهجية”(30) لأن الحقيقة عند هيدجر هي ترك الأشياء توجد وتكشف عن ذاتها، ومن ثمة فإن جوهر الحقيقة هو الحرية”(31).
وانطلاقا من هذا الطرح نتبين أن عملية الفهم لا تتأسس على التمثل بل تنبني على المواجهة بين الكائن والشيء الموجود في المجال المفتوح لأن هذه المواجهة هي التي خلقت انفتاحها كإحالة باطنية وكتحرر للكائن ليستطيع الدخول إلى المجالات الأخرى دون السقوط في المفتقد، بل يعني أن نترك الموضوع يوجد وأن تمد يدنا له من أجل ترك القراءة التي اعتدنا عليها، ونزع الحجب ليكون المقروء على هيئة انكشاف مضاعف كما يقول هيدجر في كتابه “نداء الحقيقة”(32) فالقراءة هي انكشاف لماهية المقروء، وتجلي للعالم لأن الشيء يظهر بوصفه متحجبا وفي هذا التحجب تظهر ماهيته”(33) هكذا يتجلى لنا وبوضوح السبب الذي دفع غادامير إلى التساؤل ألا توجد المعرفة الجمالية في المسرح؟ ألا تنطوي التجربة الدرامية على قول الحقيقة الغير المحاكاتية؟ وهل …….. الجمالي نزعة حدسية وعاطفيةوإلهامية تتعارض مع النزعة العقلانية؟ أم هو وعي جماعي وتاريخي؟ فإذا كان الفن الدرامي ينطوي على التجارب الإنسانية التي أصبحت موضوعا للأبعاد الجمالية، حيث تنطوي على رسائل تقتضي منا الفهم والتفسير والشهادة العلاقة الحميمية التي يتميز به المسرح ويقول هشام معافة “إن الهرمينوطيقا إذن تتخذ من خبرة الفن موضوعا خصبا لها، لأنها خبرة تنطوي على رسالة أو شيء يقال لنا يقتضي الفهم والتفسير، إنها تسعى إلى استعادة ذلك الطابع الحميمي الذي تتميز به خبرة الفن، لا النظر إليه كمجرد موضوع يثير متعة جمالية من خلال الانسجام والأشكال”(34)
Le passée est un temps écoulé le présent il faut le vivre l’ouemir est un des teint de vime
فالحوار بين المؤول والنص هو علاقة الآنا / والآخر، وتأويل مع نص، فهو يشير من الآخر إلى الآنا عبر عملية الفهم والتفسير، وتظهر وكأنها تتبادل المواقع والأدوار الممثلة، فلا وجود للعمل بدون عرض أو تمثيل(35) حيث أن العرض يتطلب اكتمالا وتحققا خاصا ليؤسس نمط وجوده الحداثي، وهذه الصيغة الجغرافية والرمزية تفرض نفسها وكأنها وحدة متجانسة، مشعة عالميا، انطلاقا من التنظير والتجريب ومع ذلك فإن غادامير حاول تجاوز كل المقاربات التي دشنها دلتاي، وشلايرماخ بوعي عقلاني متنوع، يدعوا إلى النبش في طبقات النص برؤية حضرية.
فالأركيولوجيا لا تهتم باللغة من حيث هي نظام العلامات، والقوانين التي تشكل الملفوظ، بل تهتم باللغة ليس تعاملا منطقيا ولا سميكا، بل تعمل على تفكيك كل القواعد التي تتشابك للوقوف على مختلف الانتظامات التي تخضعلها بكيفية مختلفة والمتحولة عبر الصيرورة الاجتماعية، والفكرية والتاريخية والمتجددة بفعل التأويل، رغم أن فوكو يرفض أن تكون منجها جديدا في تأويل الخطاب ويقول في هذا الصدد “إن التأويل أسلوب من أساليب مواجهة النقص العباري وتعويضه عن طريق توفير المعنى أسلوب من أساليب الكلام بمناسبة النقص ورغما عنه، …”(36)، فرغم هذا الموقف الرافض من طرف فوكو فإنه فكر فيه (التأويل) باعتباره قراءة جديدة للخطاب، وليس بالمنظور التأويلي الكلاسيكي الذي ينظر إلى الخطاب كمنهج يبحث عن المعاني المضمرة قصد إبرازها، وإيضاحها. إن فوكو يريد أن يبدع يتشكل داخل المركز والهامش رافضا في آن واحد النظر إلى المنهج كنسق يتشكل داخل المركز الثقافي الغربي، لأن ذلك يقودنا إلى بناء خطاب مضاد يتحول فيه الهامش إلى سلطة قمعية إلى إيجاد هذا الهامش حريته بمنطق لذوي يتحرر من كل المثبطات والقيود والقوانين لتصير الذات هي ذاتها، تحس بالمتعة، والرغبة، واللذة، وتكون لها فنية في أبنية الحقائق أي (التأويل المختلف للخطاب المركزي)، وهذه الرؤية النتشوية التي تتحول مع كل اكتشاف للامفكر في “اختراق شبكيات علاقات القوة القوية بالذات”(37).
إنه يؤسس خطابه الخاص، خطاب الاختلاف الذي لا يرضى بغير الإبدال والتحول، باحثا عن وطن الكينونة، ووظف الذات الإنسانية، حيث زمن التأويل ومنطق البدء، العودة إلى الذات لتصحيح مسار المعرفة الركحيةوجعلها أصل قبله ولا نهاية. وهذا ما دفع ميشل فوكو Michel Foucaul إلى إبداع الأركيولوجية كمشروع طمح لنبش في طبقات المعرفة، قصد معرفة ترسباتها ومركزيتها وكشف سلطتها المهيمنة، إنها ليست قراءة مضاعفة أو كتابة ثانية، أو إبراز المفكر فيه لحظة بقاء الخطاب، هدفها لحظة تشكل الخطاب بوضعه خطابا مختلفا قصد فهم التطور المتعاقب في التاريخ”(38)فالأركيولوجيا تهتم بالمختلف والمنفصل وتبحث عن كتابة تاريخ آخر لما قاله البشر(39).
إن قراءة الحضرية تبحث عن وراء الأشياء لفهم السر الغير السر الجوهري، لكونه دون نسق ولا جوهر، ولا مبدأ أول(40) فهي تغدو قراءة لا متناهية للحياة والإنسان، والأشياء، وفي المختلف، لتحويله إلى مواقع جغرافية متنوعة مع إلغاء ديكتاتورية اللحظة المكانية والزمانية الخطية.
إن زعزعة هذا المركز كنص مكتوب من طرف ميتافيزيقيا الحضور، يجعلنا ندرك أن الاستنطاق النصي يكشف لنا المسافة البعيدة بين الكائن والخارج النادر في مواجهة الموت، والفراغ الذي يعيشه المهمش.
بينما نجد بول ريكور يميز بين التأويل Interpretation، وHerméneutique، حيث يرى أن التأول هو إخراج المعنى الباطن من المعنى الظاهر، والحقيقة من المجاز، أما الهرمينوطيقا فهي الوقوف على ما يقوم به الكائن في هذا الوجود تأويلا لهذا الجهد بوصفه أنطولوجيا للفهم، “ولكن عبر الإبستمولوجيا بما هي إمكانية تغذية تتيح لمتبنيها تفحص المعرفة المتعلقة بالفهم ووضعها موضع المساءلة نقدا وجدلا وتأويلا”(41).
وخلاصة القول فإن الدكتورة بن المدني ليلة والدكتور الغزيوي بوعليحاولا استنطاق الفكر الغداميري لمعرفة الأنساق المعرفية، بلغة موضوعية، وبوعي نقدي وجدلي لا يقف عند حدود الثابت، بل يزرع الاختلاف في سجل الائتلاف.
إنجاز الدكتور إنجاز الدكتورة
الغزيوي بوعلي بن المدني ليلة
فاس
الهامش:
(1) – Jean Gerondir : ind à Hans Georg Gadamereddu orf, paris 1999, P : 9.
(2)- نديم البيطار، العقل الحضاري العربي، مجلة الوحدة محور العقلانية، دجنبر 1988، ص: 80 – 81.
(3)- عادل مصطفى، مدخل إلى الهيرمينوطيقا، دار النهضة العربية، بيروت، ط 1، 2003، ص: 194.
(4)- نفس المرجع، ص: 17.
(5)- نفس المرجع، ص: 19.
(6)- جادامير، كانط والتحول الهيرمينويقا، ت: جمال سليمان، القاهرة، مجلة أوراق فلسفية، ع 10، سنة 2004، ص: 201.
(7)-Gadamer : reflection oniry, hilosophical journey, P : 54.
(8)- مفهوم الوعي الجمالي، ص: 30.
إن مفهوم العالم المعيش هو الذي ميز تحوله من المثالية الهوليرلية إلى المادية ………..، ج 2.
(9)- نفس المرجع، ص: 31….
(10)- Gadamer : « Srubyectivity and intrsubjsubject and person, P : 279.
(11)- مفهوم الوعي الجمالي، المرجع نفسه، ص: 32.
(12)- جادامير، مفهوم الوعي الجمالي، ص: 34.
(13)- غادامير، نفس المرجع، ص: 35.
(14)- غادامير، مفهوم الوعي الجمالي، ص: 37.
(15)- غادامير، مفهوم الوعي الجمالي في الهيرمينوطيقا الفلسفية عند جادامير، ص: 39.
(16)- مفهوم الوعي الجمالي، ص: 51.
(17)- د. صفاء جعفر، الهرمينوطيقا تفسير الأصل في العمل الفني، الاسكندرية، منشأة المعارف سنة 2000، ص: 23.
(18)- د. منى طلبة، الهيرمينوطيقا– المصطلح والمفهوم، القاهرة، أوراق فلسفية، ع 10، 2004، ص: 126 – 132.
(19)- د. صفاء جعفر، الهرمينوطيقا: المصطلح والمفهوم، ص: 28 – 29.
(21)- G. Gadmer : « ttruth and method » new york, 1975, P : 8.
(20)- مصطفى عادل، مدخل إلى الهيرمينوطيقا، دار النهضة العربية، بيروت، ط 1، 2003، ص: 18.
(21)- أمير حلمي مطر، التأويل وجذوره في الفكر القديم الفلسفة، والعصر، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ع 3، 2004 – 2005، ص: 17 – 18.
(22)- هشام معافة، تأويلية الفن، ط 1، 2010، الدار العربية للعلوم، ناشرون، منشورات الاختلاف، ص: 23.
(23)- غادامير، فلسفة التأويل، ترجمة محمد شوقي الزين، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط 2، 2006، ص: 65.
(24)- دافيد جاسبر، مقدمة في الهرمينوطيقا، ترجمة وجيه قانصو، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط 1، 2007، ص: 87 – 90.
(25)- دافيد جاسبر، مقدمة في الهرمينوطيقا، مرجع سابق، ص: 94.
(26)- عادل مصطفى، مدخل إلى الهرمينوطيقا، مرجع سابق، ص: 49.
(27)- محمد راضي، التأويل والقراءة والكتابة، شذرات فلسفية، عالم الكتب الحديث، غريد – الأردن، 2015، ص: 12.
(28)- بدر الدين مصطفى، فلسفة ما بعد الحداثة، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، ط 1، 2011، ص: 171.
(29)- Jean Grondin : « I,troduction à Hans Georg Gadamer, ed du orf paris 1999, P : 38.
(30)- عمر مهيبل، من النسق إلى الذات، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط 1، 2001، ص: 139.
(31)- محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحقيقة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط 2، 1996، ص: 7.
(32)- هيدجر: نداء الحقيقة، ترجمة ودراسة عبد الغفار مكاوي، دار الثقافة للطباعة والنشر بالقاهرة، 1977، ص: 272.
(33)- توفيق سعيد، الخبرة الجمالية، دراسة في فلسفة الجمال الظاهراتية، مؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1992، ص: 102.
(34)- هشام معافة، تأويلية الفن، مرجع سابق، ص: 39.
(35)- هشام معافة، تأويلية الفن، ص: 227.
(36)- ميشال فوكو، حفريات المعرفة، ص: 112.
(37)- مطاع صفدي، نقد العقل الغربي الحداثة ما بعد الحداثة، مركز الإنماء العربي، بيروت، لبنان، 1990ـ ص: 267.
(38)- نفس المرجع، ص: 128.
(39)- ميشال فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم ياقوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط 2، 1987، ص: 130 – 131.
(40)- عبد السلام بنعبد العالي، ميتولوجيا الواقع، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط 1، 1991، ص: 31.
(41)- عبد العالي بارة، “الهرمينوطيقا والفلسفة”، الدار العربية للعلوم، ط 1، سنة 2008، ص: 35.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*