مآل حزب البام: بين تنظير “الشرعيين” وبراكسيس “المستقبليين”

طارق النابلسي

لم يعد من الصعوبة بمكان على كل متتبع لما يطبخ داخل بيت حزب البام، تسجيل ملاحظات أساسية تتمثل في: عزم أنصار “تيار المستقبل” على شق طريقهم نحو عقد المؤتمر الرابع للحزب برؤية واضحة وخطوات ثابتة ودون التفات نحو الوراء؛ فيما لم يبرح تيار “الشرعية”، الذي يقوده حكيم بنشماش، مكانه؛ وظل لحد الساعة يعيش على أصداء الهزات الارتدادية التي تخلفها خطوات وتجمعات ولقاءات “المستقبليين” أثناء الإعلان عنها وبعد إنجازها.
وفي الوقت الذي يعمد فيه “المستقبليون” إلى طرح مبادرات، يلجأ “الشرعيون” إلى محاولة فرملة تلك المبادرات واستجداء السلطات والاستعانة ببعض الوجوه “القديمة” المحروقة سياسيا لعرقلة تلك الخطوات ووضع العصا في العجلة، تماما كما حصل في آخر لقاء تواصلي نظمه تيار المستقبل بمدينة طنجة قبل أيام معدودة.
والحال أن الوضعية التي انتهى إليها الصراع داخل هذا الحزب باتت أوضح بالنسبة للمراقبين: فمن جهة أولى، أبدى تيار المستقبل بقيادة جماعية (محمد الحموتي، عبد اللطيف وهبي، سمير كودار، فاطمة الزهراء المنصوري…) قدرة معتبرة في الإمساك بالأداة التنظيمية للحزب والحفاظ على فعاليتها، مع إبداء تضحيات ملموسة مصاحبة بمحاولات لنشر ثقافة الشفافية والتغيير والتجديد والتشبيب في صفوف أبناء الحزب، وبالتالي توجيه تركيز هم على البراكسيس والأداء الميداني.
ومن جهة ثانية، ظل تيار “الشرعية” بقيادة عبد الحكيم بنشماش وموظفيه، متكئا على حق تثبيت “الشرعية” دون انتباه إلى ضرورة استحضار “المشروعية” المفتقدة (كل قرارات هتلر مثلا كانت شرعية لأنها استندت إلى قوانين ديكتاتورية، لكن هل كانت تلك القرارات مشروعة؟)؛ حيث اقتصر أداء بنشماش على التكشير عن أنيابه المهشمة بتكريس ثقافة استبدادية قائمة على إقصاء وطرد كل المختلفين معه بدعوى مخالفتهم لمنطوق وروح قوانين الحزب التي صار يؤولها بما يتوافق مع أهوائه ويصب في مصلحته، والركون إلى تدبيج البلاغات الفارغة والاستكانة ل”مرض” التنظير الخاوي الممهور بالتصورات الفارغة (لغة مخشبة تتحدث عن مشاريع تصورات عامة وخاصة، أفقية وعمودية، عادية واستثنائية، آنية ومستقبلية…الخ، ورقة خارطة طريق الانبعاث نموذجا) .
وأمام ذلك، بدأت ملامح المرحلة القادمة بادية للعيان، إذ في الوقت الذي بذل وما زال يبذل فيه المستقبليون جهودا كبيرة ومضنية، حيث أبانوا عن حركية مشهود بها في بسط سيطرتهم على التنظيم داخل الجهات واستمالة الوجوه البارزة داخلها إلى صفوفهم، سواء كانوا من الأعيان البارزين بالمناطق التي ينحدرون منها أو الوجوه المثقفة والنخب الفاعلة والنشيطة سياسيا… فإن الشرعيين قد استطابوا التقليب في أوراق الحزب بحثا عن مسوغات قانونية تبرر منهجية تصفية “الثائرين” المستقبليين، والإصرار (خوفا من الموت والخفوت) على إصدار بلاغات “حربية” مليئة برائحة البارود وبالأخطاء السياسية الدالة عن نرفزة وتيه أصحابها وسذاجتهم في قراءة الأحداث وسوء تقديرهم لعواقبها، مع الاقتصار على الاحتماء بوجوه الريع والفساد المعروفة وعجز مطلق عن استقطاب فاعلين حقيقيين، بأيادي نظيفة، بإمكانهم تقديم الإضافة لهذا التيار..
ونتيجة لذلك، عجز هؤلاء عن تنظيم أي لقاء جماهيري حقيقي، اللهم بعض القفشات/اللقاءات الخجولة والهزيلة التي خسروا فيها أكثر مما ربحوه سياسيا وإعلاميا.
تبعا لذلك، ينتظر السيد بنشماش والمتحلقون حوله هدية من السماء قد تأتي أو لا تأتي، فعلى بعد أيام قليلة سيقول القضاء كلمته الفصل فيما يخص قضية النزاع بين التيارين المتصارعين؛ وآنذاك فقط سيخضع المنهزم لشروط المنتصر (هذا هو منطق الحرب)؛ لكن السؤال الذي يؤرق بعض المتتبعين لهذا المسلسل، هو الآتي: ماذا لو جاء حكم القضاء في صالح بنشماش ومن معه، وأي مصير ينتظر الحزب في هذه الحالة؟
بالرغم من كون كل المؤشرات توحي للمراقبين بأن هذه النتيجة مستبعدة جدا، وذلك بالنظر إلى تراكم الأخطاء المرتكبة، قانونيا وسياسيا وإعلاميا، من قبل بنشماش وحوارييه؛ إلا أن هذه الإمكانية تبقى واردة، خاصة وأن للقضاء دائما منطقه الخاص في تفسير وتبرير الأمور؛ وبالتالي فإن الخلاصة ستكون هي انهيار وتلاشي حزب حديث النشأة قال عنه مؤسسوه إنه قد جاء لممارسة السياسة بشكل مغاير، بما يستدعيه ذلك من ترسيخ لقيم الحداثة والديمقراطية والشفافية ونشر ثقافة روح المواطنة والمبادرة… سيما وأن إصدار حكم قضائي في صالح بنشماش سيدفع به إلى إحكام القبضة الحديدية على هذا الحزب، ومن ثم تحويله إلى “شركة خاصة” يبيع ويشتري فيها وفق أهوائه، ناهيك عن انتقامه من كافة المناضلين المحسوبين على الصف المناوئ له.
وإذا أضفنا إلى ذلك إعلان قياديي تيار المستقبل عزمهم على تسليم المفاتيح وترك الجمل بما حمل في حالة ما إذا جاءت النتيجة (حكم القضاء) عكس طموحاتهم، أي لصالح بنشماش.. فإنه سيسهل علينا فهم المآل المأساوي الذي سيُجر إليه هذا الحزب، بل النخب السياسية الوطنية الجادة برمتها، لأن الرسالة ستكون واضحة جدا: لا مجال للمناداة بالتغيير فيما يرتبط بالممارسة السياسة ببلادنا، مما يفرض على الكفاءات المجدة والمجددة أن تعزف عن السياسة وما يدور في فلكها، أو تنبطح وتخر ساجدة أمام فتات المناصب الريعية التي ترمى لها وتبلع لسانها إن رغبت في الاستمرار في ممارسة هذه اللعبة الكاوية (السياسة)..
وبالتالي الاستسلام لقدر الإحباط المكتوب عليها في ظل مشهد سياسي موبوء بكل الأمراض: الانتهازية والوصولية والتزلف والتدليس والنفاق والمكر والخداع… الخ.
أما “الموسيو لابريكاد” فسيصفو له الجو كي يعمل في هدوء (بلا صداع الراس) من أجل الذهاب بحلمه إلى أقصى الحدود في مراكمة ثروته التي باتت تكبر مثل كرة الثلج المتدحرجة… وفي المقابل، سيفقد الحزب “وزنه” وسيحوله إلى “دكان” صغير (سيكون من غير المؤكد أن يحصل البام على فريق نيابي خلال الانتخابات التشريعية المقبلة) يقتني ويبيع فيه بالتقسيط، ولسان حاله يردد “يالاه.. ريكلام.. فرصة ومناسبة” على طريقة الباعة المتجولين.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*