منطق الرعاع والفوضى الرمزية في مسار تخريب المجال العام
كتبها: فيصل مرجاني
إن ما يستشري اليوم داخل الفضاءات الرقمية لا يمكن اختزاله في مجرد تعبيرات متناثرة عن حساسيات دينية أو مواقف نقدية، بل هو تجلٍّ لبنية ذهنية مأزومة تعيد إنتاج ذاتها عبر آليات خطابية تقوم على التهويل، والتأثيم، وتشييء الآخر في أفق إقصائي راديكالي.
فحين تُختزل ممارسة دينية اعتيادية لجماعة يهودية في توصيفات من قبيل “المؤامرة”، “التدنيس”، أو “العار”، فإننا لا نكون أمام اختلاف تأويلي، بل أمام انزلاق إبستمولوجي يُحوّل الدين من مجال للمعنى إلى أداة للتعبئة العدائية.
إن السلوكيات التي رافقت هذه الخطابات من قبيل الانتقال إلى عين المكان “لتنظيفه وتعقيمه” لا يمكن قراءتها إلا ضمن ما يسميه علم الاجتماع الرمزي بمنطق “التطهير الطقوسي”، حيث يُعاد إنتاج الآخر بوصفه كيانًا نجسًا ينبغي محوه رمزيًا.
وهذه النزعة لا تعكس غيرة على المقدس، بل تكشف عن وعي منكفئ، يستدعي ترسانة من التصورات ما قبل حديثة، قائمة على ثنائيات الطهارة/الدنس، والانتماء/الإقصاء، في قطيعة تامة مع منطق الدولة الحديثة.
الأخطر من ذلك هو هذا التمدد غير المنضبط في المخيال السياسي، حيث يتم القفز من مستوى الممارسة الدينية إلى ادعاءات تمس “السيادة” و”الاستيلاء على الأرض”.
هذا الانزلاق ليس سوى تعبير عن إعادة توظيف شعبوية لمفهوم السيادة، يتم فيه تفريغها من مضمونها القانوني والمؤسساتي، وإعادة تركيبها داخل خطاب غوغائي يخلط بين المجالين الديني والسياسي، ويُحوّل الانفعال الجماعي إلى معيار للحكم.
وفي هذا السياق، تتبلور نزعة أكثر خطورة، تتمثل في السعي إلى إعادة تعريف المغرب بوصفه فضاءً أحاديًا مغلقًا، “إسلاميًا” بالمعنى الإقصائي للكلمة، غير مرحّب بالتعدد الديني أو الثقافي أو اللغوي.
وهو تصور لا يعكس فقط جهلًا بالتاريخ المركّب للمغرب، بل يشكل محاولة صريحة لتقويض الأسس التي قامت عليها الدولة الأمة، عبر نفي روافدها الحضارية، وفي مقدمتها الرافد العبري الذي يشكل جزءًا بنيويًا من الذاكرة الوطنية.
وما يزيد من خطورة هذا الانحراف الخطابي هو تبنّيه الضمني وأحيانًا الصريح لسردية مناقضة لمنظومة إمارة المؤمنين، التي تشكل في البناء الدستوري المغربي ليس فقط مرجعية دينية، بل أيضًا إطارًا ناظمًا لضمان حرية الممارسة الدينية وصون التعدد في أفق وحدة وطنية جامعة.
فإمارة المؤمنين، باعتبارها مؤسسة تاريخية دستورية، لا تقوم على منطق الإقصاء العقدي، بل على تدبير الاختلاف ضمن هندسة شرعية تؤمّن الاستقرار الروحي للمجتمع، وتمنع تحويل الدين إلى أداة صراع.
ومن ثم، فإن الخطابات التي تسعى إلى نفي حق فئات دينية في ممارسة شعائرها، إنما تصطدم بشكل مباشر مع هذا التصور المغربي الفريد الذي يربط بين حماية الدين وحماية حرية التدين في آن واحد.
كما أن الدستور المغربي، بما يتضمنه من تكريس للروافد المتعددة للهوية الوطنية، لا يكتفي بالاعتراف النظري بالتعدد، بل يؤسّس له كقاعدة قانونية ملزمة، تضمن لكل فرد وجماعة الحق في تدبير شؤونهم الدينية ضمن إطار يحكمه القانون.
وعليه، فإن أي خطاب يحرّض على التضييق أو المنع أو الوصم، لا يشكل فقط انحرافًا أخلاقيًا، بل يمثل أيضًا خروجًا صريحًا عن تعاقد دستوري يوازن بدقة بين المرجعية الإسلامية للدولة وبين التزاماتها في حماية الحريات.
إننا، والحالة هذه، أمام مفارقة صارخة: دعاة الإقصاء يتحدثون باسم الدين، بينما هم في الواقع ينقضون أحد أهم تجلياته المؤسسية في النموذج المغربي، أي الدين باعتباره ضامنًا للتعدد وليس مبررًا لإلغائه.
إن ما نشهده، في العمق، هو صعود فاعلين هجينين بلا تأهيل معرفي أو شرعية فكرية يسعون إلى تأطير الخطاب العام واحتكار النقاش العمومي، عبر ضخ خطابات كراهية مموّهة بلغة دينية شعبوية.
هؤلاء لا يدافعون عن الدين، بل يقومون بتسييس المقدّس بشكل منحرف، أي تحويله إلى أداة إيديولوجية لتفكيك المجال العمومي وإدخاله في صراعات عبثية.
وإذا كان هذا المسار يبدو، في ظاهره، تعبيرًا محليًا، فإنه في جوهره يعكس ظاهرة مستوردة، قائمة على نماذج إقصائية تسعى إلى فرض تجانس قسري داخل مجتمعات متعددة بطبيعتها.
وهو ما يعني، بشكل صريح، الدفع نحو إنتاج مجتمع قائم على الاضطهاد الرمزي والمادي لكل من يختلف في العقيدة أو الرأي أو اللغة، وتحويل المغرب إلى فضاء منزوع التعدد، خاضع لهيمنة تصور واحد متصلب.
إن خطورة هذه الديناميات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في قدرتها على التغلغل داخل الوعي الجماعي، وتحويل الجهل إلى أداة تعبئة، والكراهية إلى رأي مشروع، والإقصاء إلى “دفاع عن الهوية”.
وهو ما يستدعي مواجهة فكرية صارمة، تعيد الاعتبار للعقل النقدي، وللمرجعية القانونية، وللفكرة الجوهرية التي تؤسس لأي بنية سياسية حديثه: التعدد باعتباره شرطًا للوجود، وليس تهديدًا له.
بعبارة حاسمة: نحن أمام محاولة لإعادة إنتاج المغرب خارج تاريخه، وخارج منطقه الحضاري، عبر فرض هوية متخيلة قائمة على الإقصاء والتطهير الرمزي.
وهي محاولة، إن لم تُواجَه بصرامة فكرية ومؤسساتية، لن تؤدي إلا إلى تفكيك النسيج الوطني، وإغراقه في صراعات إيديولوجية عقيمة، تنتقل من منطق العقلنة المؤسسية إلى منطق الحشد الغوغائي، ومن حكم القانون إلى نهج التعبئة والتحريض.
