إسماعيل علالي يكتب: رسائل رئاسيات تونس الخضراء‎

إسماعيل علالي*

لا يخفى على المتابع للشأن السياسي العربي عامة و المغاربي خاصة، أن تونس الخضراء أضحت عنوانا للتغيير الخلاق منذ ربيعها العربي الذي أعلنت فيه عن ميلاد وعي جماهيري بضرورة التغيير ، إلى رئاسياتها الأخيرة التي أبانت عن تجند التونسيين و اتحادهم من من أجل تحصين مكتسبات الثورة و تحقيق التغيير المنشود على أكمل وجه ، و الخروج من طور الحلم بالتغيير إلى طور تحقيق التغيير ، و أجرأته دستوريا ، و ديموقراطيا و مؤسساتيا و مجتمعيا.
و الناظر في الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة التي أفرزت نتائجها الأولية فوز المرشح المستقل د. قيس سعيد ، لا محالة يتبين أن تونس قد بدأت تجني ثمار ثورتها التي حصنتها ، بالاتحاد و الحوار و اليقظة، مؤسسة بذلك لممارسة سياسية جديدة ، نجمل مداخلها في النقط/ الرسائل الآتية:

الرسالة الأولى : انتصار تونس للاختيار الثالث الذي كان مستحيلا قبل ربيعها العربي، و نعني بالاختيار الثالث التصويت لمرشح مستقل، و الاقتناع بخطابه، و واقعية مشروعه، حيث أسست بهذا الاختيار لتجربة سياسية جديدة ، عنوانها ، الانتصار لديموقراطية المشروع قبل الشرعية الحزبية، و الكفاءة السياسية قبل الالتزام و التعصب الإيديولوجي، فضلا عن الكفر بالمعادلة السياسية الثنائية ) يمين- يسار(، و خلق صراط سياسي جديد، للوصول إلى السلطة لم يكن متوقعا ” أي فوز مرشح مستقل”، قبل الربيع العربي و لم يسبق إليه في تونس، مما يجعلها ملهمة في هذا الباب لجوارها المغاربي و المشرقي.
2-الرسالة الثانية: مفادها ضرورة اليقظة الشعبية و الاتحاد المجتمعي، حيث ترتب عن يقظة الشعب التونسيي ، و التزام الجميع كل من موقعه و منصبه ، بالانتصار لإرادة الشعب ، إنجاح انتخابات الرئاسيات التونسية، عن طريق حملات انتخابية راقية و مناظرات سياسية بانية ، بعيدة عن الشعبوية التي تبنتها الأحزاب خلال العقدين الأخيرين مغاربيا و عربيا و دوليا. مما يعني أفول الخطاب الشعبوي بتونس، و بداية تشكل خطاب سياسي تناظري عملي، الغلبة فيه للمرشح الحامل للمشروع المتماهي مع إرادة الشعب و تطلعاته، لا للمرشح القزحي المفتخر بلباسه الحزبي، أو القبلي ، أو الديني، كما كان سائدا في الانتخابات الرئاسية السابقة، و كما نجده في دول أخرى.

3-الرسالة الثالثة: مفادها انتصار التونسيين للفاعل الترابي المستقل ، و إن شئتم قلتم لــ ” الزعيم الشعبي” بدل الزعيم الحزبي، أو الديني، أو الشعبوي، و عدم سماحهم بعودة الوجوه السياسية الفاشلة، مما يعني أنهم أعلنوا قطيعة مع الزعامات الكارطونية، أو القيادات الحزبية المنفصلة عن هموم الشعب أو التي لم تساير تطلعاتهم، حيث تفصح شخصية المرشح المستقل ” د. قيس سعيد” عن مشروع زعيم شعبي” ولد الشعب”، قاد حملة انتخابية نظيفة بوسائل إجرائية بسيطة ، متسلحا بحب تونس و التونسيين و بلاغة عالية و خطاب عقلاني مقنع، هو من صميم الواقع التونسي، عكس كثير من المرشحين الحزبيين الذين كبلتهم الإيديولوجيا و الالتزام الحزبي، مما حاد بهم عن إقناع الجماهير التونسية رغم الطبول التي قرعها أنصارهم في كل مكان، مما يعني بداية تشكل ممارسة سياسية جديدة، وتفرض على الأحزاب تجديد نخبها و تجويد خطابها، و التحرر من آفاقها السياسوية الضيقة، عن طريق الالتحام بقضايا الشعب، و الإنصات إلى نبض الشارع ، و برمجة مشاريع تلائم الوعي السياسي الصاعد الذي عبر حاملوه عن كفرهم بالمقولات الماضوية، و الممارسات الشعبوية التي ابتلي بها قادة أحزاب اليمين و قادة أحزاب اليسار.
4- الرسالة الرابعة: مفادها أن المدخل الحقيقي للإصلاح و بناء الدولة، و تحصين المكتسبات هو الحوار التناظري الخلاق ، المؤمن بقيم التسامح و الاختلاف ، بدل ثقافة العنف السياسي و التطرف و التعصب، و ثقافة الكولسة و اغتيال الأشخاص و ووأد المشاريع و الأحلام، و إقحام الشعب في نقاشات سياسوية عقيمة.
وختاما لا يسعنا إلا أن نهنئ الشعب التونسي على هذا العرس الديموقراطي ، و البراديغم السياسي الجديد الذي انتصر له ، و دام لتونس اخضرارها في مختلف مناشط الحياة : سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا.مع متمنياتنا لأحزابنا بالتقاط هاته الرسائل وتجويد ممارستها السياسية و تجديد نخبها، و خلق قادة مشروع مجتمعي ” ولاد الشعب” بدل مشروع قادة ” ولاد الحزب”.
*باحث في تحليل الخطاب، فاعل مدني و جمعوي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*