خروج التقدم والاشتراكية من الحكومة… الدرس الديموقراطي …

* في الدرس الديموقراطي …
_
ما وقع بالدورة الاستثنائية للجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية أمس الجمعة من تدافع ديموقراطي بين بعض الرفاق مؤسِفٌ جداً، لكنه لا يدعو إلى الغرابة والقلق والتذمر ، بل هو حدث عابر قطعاً، خاصة بالنسبة لمن يمارس السياسة عن قرب داخل حزب ديموقراطي به آراء متعددة وبه أفكار مختلفة، وبه حساسيات كثيرة، ومصالح شخصية، وحتى إذا كان ذلك الفعل قد وقع بين بعض رفاقنا، فإنه سلوك يبقى بل، وسيظل في أدبياتنا الحزبية، مرفوضاً داخل صفوف حزبنا .
من ناحية أخرى، وحتى لا نكون من سكان وأهل المدينة الفاضلة، حالمون وطوباويون وغارقون في الحلم والوهم، فإنه سلوك أو فعل ناتج عن ردود أفعال مرتبطة جدلياً وعضوياً بمسار طويل وبتراكم تجربة، وهو تجسيد أو تعبير عن ولادةٍ قيسرية لانفعالات نفسية في لحظة سياسية عابرة في عشية عابرة وُجِد البعض نفسه من حيث يشعر أو لت يشعر مُقحَماً فيها، وانتهى الأمر .
بل، إن ذلك التدافع الذي يحاول البعض استغلاله من خلال النشر ، يبقى قوساً داخلياً فُتِحَ لنقطةِ نظامٍ داخلية، فأغلِقَ ( )، حتى لا نعطيه أكبر من حجمه، أو نُلبِسه ثوباً أكبر منه، فيتم استغلاله بشكل مُشوَّه، بل هو أولاً وأخيراً، تمرين ديموقراطي داخلي يمكن اعتباره صحياً الى حد ما، داخل حزب كبُر حجمه واتسعتْ رقعة صفوفه، وتعددت أصواته، وتعالتْ بل، وكثُرت طموحاته، ويريد أو اختار في محطة استثنائية تصحيح وترميم و بناء بيته الداخلي بعمق أكبر وبتجذر أكبر ، حزب وطني انخرط في العمل الحكومي منذ 1998، فكان صعباً عليه و على بعض الرفاق اليوم، تقبُّل قرار الانسحاب، على اعتبار أن الشروط التاريخية التي كانت إبَّان 1998 وبعدها في 2011، ليست هي نفس الشروط التاريخية، وليست هي نفس التراكمات والتجاذبات إبَّان 2016 وما أفرزته من اختلاف واختلال وتباعد في الرؤى والمقاربات داخل الحكومة نفسها، و هي فوق هذا وذاك، ليست نفس شروط اليوم، حيث جرَت مياه كثيرة تحت الجسر، تلك المياه دفعتْ بالحزب اليوم، الى مغادرة سفينة الحكومة.
إن حدث التدافع الديموقراطي المفروض من طرف الأجواء المشحونة، نعم ليس صحيحاً ولم يعجب أحداً وأنا واحد منهم، وحتى لا نَدَّعي المثالية والطهرانية كاملة وكأننا ملائكة من زمن آخر ، اللهم لا شماتة، حدث قد يحصل، بل ويحصل حتى في أعرق الديموقراطيات العالمية التي تومن بالاختلاف وتعرف كيف تدبِّره، وتومن بالرأي وبالرأي الآخر الذي ينِمُّ أو يعبِّر صراحةً، على أن الحزب به وفيه حياة، وبه روح، وبه نفَسٌ، وهي كلها تعبيرات عن طموحات، وعن حاجَة، وعن رغبة طبيعية تروم خدمة الحزب والوطن أولاً، والتي يتم إنتاجها وتسويقها من حين لآخر من منطلق منطق: ” رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأيُ غيري خطأ يحتمل الصواب “.
أولاً، فحتى وإن بدا للبعض أن ما وقع، انفلاتٌ في ضبط النفس ، وأنه سلوك غريبٌ أو دخيلٌ على الممارسة الديموقراطية، فإن هذه الممارسة الديموقراطية ذاتها، تقع في جميع التنظيمات الحزبية الجماهيرية كونياً، وكيفما كانت طبيعة تلك التنظيمات الحزبية، ليبرالية أو شيوعية أو اشتراكية كحزب التقدم والاشتراكية، وإنها تشهد وتعيش مثل هكذا التدافع وفي كثير من الأحيان، وربما بشكل أكبر، على اعتبار أن مبدأ الديموقراطية، لا يمكنه البتة، أن يستقيم على رأي واحد، أو على توجه واحد، أو على فكر واحد، أو على موقف واحد.
ثانياً، بالنسبة لحزب ديموقراطي جماهيري حداثي مستقل ووطني كحزب التقدم والاشتراكية الذي سجَّلَ نهضة فكرية وسياسية كبيرة مع ما يعرفه المجتمع من تطور على مستويات عدة، خدمة للوطن، هو استجابة موضوعية و تفاعل طبيعي يتماشى والمتغيرات العالمية والكونية التي أجبرت الحزب على أن يستجيب للجماهير، وفق الإمكانيات المتاحة، وبحسب موقعه ووزنه في الخريطة السياسية الوطنية، تلك النهضة الجماهيرية التي جعلت الحزب جذاباً، ورقماً مهماً في المشهد الحزبي الوطني بشكل أو بآخر، كما كان في سابق عهده، والمحطات والمواقف التاريخية شاهدة على ذلك، وهذه حقيقة للتاريخ التي لا يمكن تجاهلها أو نكرانها من طرف أيٍّ كان، بل وهي التي يشهد بها خصوم التقدم والحداثة والديموقراطية، بعيداً عن الشخصانية والبراغماتية وهلم جرا، تلك التي تجعله اليوم، عرضة للنقد والتشويش.
ثم ثالثاً، هذا التدافع الذي حصل في لحظة قصيرة ووجيزة وعابرة بين بعض الرفاق، بكل تأكيد سيتم تجاوزه والعودة من جديد بالجميع الى العناق حيث يوجد حزب التقدم والاشتراكية بالإنتظار ، بعيداً عن المزايدات والمشاحنات التي لا طائل منها.
فالسلوك / التدافع، بالنسبة للبعض، يبدو غير طبيعي وبخاصة لمن لم يسبق له أن انخرط أو مارس السياسة عن قرب بأحد الأحزاب، والذي مع الأسف، يحاول شيطنة وتخَوين الكل، ثم، وحتى وإن كان قد مارسها، فإن ممارسته لها كانت بتنظيمات ربما، لا تستطيع استيعاب أفكار أصحابها، ولا تستطيع أن تتسع لآراء واقتراحات منخرطيها ممن يخالفون رأي قيادات تلك الأحزاب، كما يحصل بحزبنا الذي يستمع وينصت لنبض الجميع في اطار من الاحترام المتبادل والحق في الاختلاف رغم هذه السحابة التي يمكن اعتبارها سحابة عابرة من صيف عابرٍ في زمنٍ عابرٍ في فترات من عُمْر حزبنا بين بعض الرفاق الذين نكِنُّ لهم جميعاً كل الاحترام وكامل التقدير والحب .
رابعاً، وهذا هو الدرس الديموقراطي الذي تعلمناه في المدرسة التقدمية كتمارين في الحياة السياسية، وهو أن الحزب شهد تطوراً كبيراً على مستوى قاعدته الجماهيرية والانتخابية والنظرية والفكرية منذ ماعُرِف في مرحلة سابقة، بسياسة الانفتاح التي كان الحزب قد تبناها بشكل أو بآخر، والتي اعتُبِرتْ في مجملها إيجابية بشكل أكبر، على الرغم من بعض المقاربات، دون أن ننسى أو نكاد نتناسى التحولات السوسيولوجية والمتغيرات جيو – سياسية التي شهدها حزبنا، وتحديداً منذ مساهمته في تجربة حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، حتى اللحظة التاريخية هذه من زمننا السياسي الذي تميز بحساسية مفرطة أعادت الى الواجهة النضالية طرحَ سؤال العودة الى الهوية وإلى الذات والى الموقع الأصل والى التموقع الطبيعي والاصطفاف السياسي الى جانب قوى اليسار الديموقراطي الحداثي والديموقراطي.
وككل حزب سياسي ديموقراطي، كان طبيعياً أن يحصل مثل هكذا التدافع بين الجسد الواحد والصوت الواحد والذات الواحدة، والذي بشكل أو بآخر، يعبر عن مواقف محترمة ومن مواقع مختلفة ومحترمة كذلك، بالنظر الى الامتداد الجماهيري، والقاعدة التنظيمية التي أصبحت للحزب رغم الكثير من الصعاب والأعطاب التي ألمَّتْ به، فضلاً عن الإكراهات التي مرَّ منها ولا يزال، كصوت حرٍّ ومختلف .
فالقاعدة الجماهيرية التي تشكلت بالأمس واليوم بالحزب، تبقى قاعدة كبيرة تضم مواطنات ومواطنين آمنوا بمشروع الحزب الحداثي الديموقراطي التقدمي .
وباعتبار أن الدورة، دورة استثنائية مصيرية في تاريخ حزبنا، كان واجباً أن يعيد فيها من جديد طرح شعار التموقع والاختيارات التي هي اختيارات وقناعات مستقلة، بغض النظر عن القراءات والتأويلات والاجتهادات التي يقدمها البعض، سواء من داخل البيت الحزبي، او من خارجه، والتي تبقى في كل الأحوال، تعبيرات لوجهات نظر تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ، ذلك أن السياسة في نهاية المطاف، تظل معادلة رياضية نسبية وليست مطلقة، بُناء على أن كل شيء إذا ما تم، نقصان.
ثم، إن الرأي حرٌّ والقرار مُلزِم في حزبنا، ونحن من نمتلك الحق في التقييم والتقويم ، بعيدا عن المهاترات السياسية والشيطنة والتشفي وغيرها،
ومن حق كل رفيقة ورفيق ان ينتقد او تنتقد، شريطة ان يكون النقد نقداً موضوعياً بناءً وهادفاً، على اعتبار انه لا أحد منا يمتلك الحقيقة، ولا يمتلك مفاتيح سليمان، ولا عصا موسى حتى، ولا شيء من هذا القبيل.
ثم، اتفقنا او اختلفنا، فإن التربية التي تعلمناها داخل مدرسة حزب التقدم والاشتراكية، تجعلنا اليوم كما الأمس، نؤمن بأن الاختلاف كيفما كانت دوافعه واسبابه، فإنه لا يفسد للود قضية، بل يزيد إصرارا على التلاحم والوحدة، وأنَّ جسد الرفاق والرفيقات كله ينبض بروح الحزب الواحدة مع اختلاف في التحليل والتقدير، وهذا ما يجعل حزبنا مستمر في الزمان وفي التاريخ وفي الوطن كله، كمشروع مجتمعي حداثي يناضل الى جانب قوى اليسار والقوى الوطنية والديموقراطية الأخرى من اجل ترسيخ قيم الديموقراطية و الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وأنه فكرة، تلك الفكرة التي لا ولن تموت.
إن بعض الانتقادات الداخلية والخارجية التي تستهدف حزبنا اليوم، تبقى انتقادات ليس الا، بعضها بدافع الغيرة والحب، وبعضها الاخر، تروم المساس بسمعة ولحمة حزبنا مع الأسف.
وآمل بل وأرجو واتمنى أن تلك الانتقادات تكون بداية للمصالحة العامة مع الذات الحزبية خدمة لمصلحة الحزب، ذلك الحزب الذي يبقى بتاريخه ومناضلاته ومناضليه وبزخمه وتراكماته كحزب وطني عريق وعتيد، أكبر منا جميعا .
صحيح ان لحظة الحسم المصيرية المتعلقة بالانسحاب من الاغلبية الحكومية كانت صعبة، لكن، كل المؤشرات داخل الاغلبية، كانت تدفع حزبنا باتخاذ الموقف والقرار ، هذا القرار الذي كان قد تبلور منذ دورات عديدة للجنة المركزية للحزب والمدوَّنَة كتابة في تقاريرها، فقط ان مسالة الانسحاب كانت مسألة وقت و الذي تطلَّبَ انتظار إنضاج الشروط التاريخية واللحظة للمغادرة ، على اعتبار أن السياسة، تراكمات وتفاعلات وشروط وسياقات ومعطيات،
خلاصة القول: إنه تمرين ديموقراطي لا أقل ولا أكثر .
عاش حزب التقدم والاشتراكية،
حرّاً ومستقلاً.
____
*ادريس الرواح .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*