ميزانية سنة 2020 لمجلسي البرلمان توازي ميزانية ثمان سنوات للولاية التشريعية 84/92 وأكثر بثلاث مرات من الميزانية المخصصة للولاية التشريعية 77/83

عبد الحي بنيس: رئيس المركز المغربي لحفظ ذاكرة البرلمان

لقد تم تخصيص ميزانية مجلس النواب لسنة 2020 مبلغ: 461.600.000 درهم، ولمجلس المستشارين لنفس السنة مبلغ: 294.040.000 درهم. أي ما مجموعه: 755.640.000 درهم. أي أكثر من ثلاث مرات من الميزانية التي خصصت للولاية التشريعية الثالثة 1977/1983 لمدة ست سنوات والتي بلغت: 244.133.998 درهم.

كما أن هذه المبلغ المخصص لميزانية مجلسي البرلمان لسنة 2020 وحدها، يوازي المبلغ الذي خصص للولاية التشريعية الرابعة 1984/1992 بكاملها، والتي بلغت: 770.310.524 درهم.

فبعد الولاية التشريعية الأولى 63/65 والولاية التشريعية الثانية 70/72 اللتان لم تكملان مدتهما، جاءت الولاية التشريعية الثالثة 1977/1983، محددة مدتها حسب دستور 1972 في أربع سنوات، وتم تمديدها إلى ست سنوات، بناءا على الاستفتاء الدستوري الذي دعا له المغفور له الحسن الثاني، والذي جرى في 30 ماي 1980. كما كان يتكون مجلس النواب من 264 عضوا، وارتفع عدد أعضائه إلى 267 عضوا وذلك لتمكين إقليم واد الذهب من التمثيل في المجلس بثلاثة مقاعد.

دامت مدة انتداب هذه الولاية التشريعية من 14 أكتوبر 1977 إلى 27 يوليو 1983 حيث عقد مجلس النواب خلال هذه المدة 399 جلسة عمومية، تضمنت حصيلتها، المصادقة على أكثر من 140 مشروع قانون منها 11 مقترح قانون، كما بلغ عدد الأسئلة الشفوية المقدمة للحكومة 1076 سؤالا أجاب الوزراء منها على 644 سؤال في 99 جلسة عمومية، وبلغ عدد الأسئلة الكتابية 872 سؤالا. أجيب منها على 588 سؤال، وتقديم 22 ملتمسا حول عدة مواضيع وطنية، بالإضافة إلى مساهمتهم في الدبلوماسية البرلمانية، خصوصا أن هذه الولاية جاءت بعد المسيرة الخضراء وما كان يقوم به خصوم المغرب، كما ناقش وصادق هذا المجلس على قوانين المالية لسنوات 1978 إلى 1983، وعلى القانونين المعدلين لقانوني المالية لسنتي 1979 – 1983، وناقش المخططات الإنمائية الوطنية 78/80 و81/85، وناقش التصريحات والبيانات الحكومية: 1) البيان الحكومي للوزير الأول أحمد عصمان (10  نونبر 1977)، 2) التصريح الحكومي للوزير الأول المعطي بوعبيد (2 ماي 1979)، 3) التصريح الحكومي للوزير الأول المعطي بوعبيد (23 نونبر 1981).

وخلال هذه المدة أبدى المجلس رأيه في خمسة عشر مرة في بعض القضايا الوطنية والدولية المستجدة، بالإضافة إلى جلسات خاصة للاستماع إلى الخطاب الملكي على اثر الاعتداءات الجزائرية على المغرب يوم 8 مارس 1979، والخطاب الملكي بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني يوم 29 نونبر1979، والخطاب الذي وجهه جلالته إلى شعبه من خلال نواب الأمة ألقاه بالنيابة السيد أحمد رضا كديرة يوم 26 يوليوز 1983، وكذا جلسة خاصة حول الاعتداء الذي تعرضت له كلتة زمور بأقاليمنا الجنوبية يوم 13 أكتوبر 1981. كما استقبل مجلس النواب العاهلة البريطانية الملكة إليزابيت الثانية وزوجها صاحب السمو الأمير دوق إدنبرة “27 أكتوبر1980″، والاستماع إلى الخطاب الذي ألقاه فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية السيد فرانسوا ميتران أمام مجلس النواب “27 يناير 1983”.

كما جاءت الولاية التشريعية الرابعة التي دام مدة انتدابها من 12 أكتوبر 1984 إلى 5 غشت 1992، خلال هذه المدة عقد مجلس النواب 468 جلسة عمومية، صادق المجلس فيها على 123 قانون و76 اتفاقية و15 مقترح قانون من أصل 131 مقترح. وفي مجال الأسئلة الشفوية تقدم النواب ب 2443 سؤالا شفويا، تمت الإجابة على 1958 سؤالا منها 406 تلتها مناقشة في 150 جلسة عمومية، أما الأسئلة الكتابية فتقدم النواب ب 1713 سؤالا، تمت الإجابة على 1374 سؤالا. كما قدم هذا المجلس 13 ملتمسا حول عدة مواضيع وطنية، أبدى المجلس رأيه في سبعة من القضايا الوطنية والدولية المستجدة. بالإضافة إلى جلسات خاصة للاستماع إلى الخطاب الملكي حول انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية (16 نونبر1984)، والخطاب الملكي حول إنشاء مجلس استشاري لدول المغرب العربي تلاه مستشار صاحب الجلالة السيد أحمد رضى كديرة (27 يونيو1986)، والخطاب الملكي حول الخوصصة بمناسبة افتتاح دورة أبريل 1988 ( 8 أبريل 1988).

كما صادق على القوانين المالية لسنوات 1985 إلى 1992، وعلى القانون التعديلي للمالية لسنة 1990، وعلى قوانين التصفية لسنوات 1978 إلى 1983، كما صادق على مخطط مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية لسنوات 1988/1992.

وناقش مجلس النواب التصريحات والبيانات الحكومية: 1) التصريح الحكومي (22 أبريل 1985)، 2) تصريح حكومي حول قضية الصحراء المغربية (20 نونبر1985)، 3) تصريح حكومي للسيد الوزير الأول (03 نونبر1986)، 4) تصريح حكومي حول مؤتمر القمة العربي الطارئ بالدار البيضاء للإشادة بنتائجه (31 ماي1989)، 5) تصريح حكومي في إطار الفصل 104 من القانون الداخلي حول نتائج الحوار الذي تجريه الحكومة مع النقابات وأرباب العمل وإضراب يوم 14 دجنبر 1990 (17 ديسمبر 1990).

كما عرفت هذه الولاية بتاريخ 14 مايو 1990 خلال دورة أبريل من السنة التشريعية السادسة. تقديم فرق أحزاب المعارضة ملتمس الرقابة كمحاولة لإسقاط الحكومة. موقعا من طرف 82 نائب وذلك بناء على الفصل الخامس والسبعون من الدستور. وفي 17 مايو1990 انطلقت أشغال الجلسة المخصصة لمناقشة ملتمس الرقابة. حيث استغرقت دراسته 27 ساعة ثم توزيعها على خمس جلسات. تدخل خلالها 34 متدخل منها 14 نائبا من فرق المعارضة. و9 من فرق الأغلبية. و11 وزيرا من الحكومة. وبعد نهاية المناقشة عرض الملتمس على التصويت يوم 20 ماي 1990 فرفض بأغلبية 200 صوتا ضد82 صوتا.

وعلى اثر الإضراب العام الذي دعت له نقابتان مركزيتان يوم 14 دجنبر1990. وقعت عدة أحداث شهدتها مدينة فاس. عقد مجلس النواب بطلب من فرق المعارضة بتاريخ 17 دجنبر1990 جلسة خصصت للاستماع إلى تصريح الحكومة التي أعلنت على لسان الوزير الأول عن اقتراح تكوين لجنة وطنية للتحقيق في هذه الأحداث تضم ممثلين عن الجهاز التنفيذي وممثلين عن الجهاز التشريعي ممثلة بمندوب عن كل حزب داخل البرلمان تحت رئاسة السيد محمد ميكو الأمين العام للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.

وبتاريخ 16 يناير 1991 أذن الملك بتكوين لجنة برلمانية للبحث والتقصي حول أحداث فاس بناء على الملتمس الذي رفعه رئيس مجلس النواب نيابة عن المجلس بكامل فرقه وأحزابه ونقاباته. وتقرر عقد جلسة عامة يوم 13 أبريل 1992 للاستماع إلى التقرير الذي أعدته اللجنة برآسة الأستاذ المعطي بوعبيد. فأكدت أن الأحداث التي شهدتها مدينة فاس خلفت أضرارا كثيرة في الأرواح والممتلكات وذلك انعكاسا للأزمة الاقتصادية والاجتماعية. واستفحال ظاهرة البطالة ومضاعفة عدد سكان بيوت مدن الصفيح.

فانطلاقا من تجربة متواضعة قضيتها داخل قبة البرلمان، لمدة قاربت 40 سنة بحلوها ومرها، أعتبر أن هاتان الولايتان تعتبران من أقوى الولايات التشريعية العشرة، من حيث العطاء، والتشريع، والمراقبة، بحكم كان ضمنها برلمانيون وازنون وأسماء لامعة من عالم السياسة والمحاماة ودكاترة وصحافيين وإداريين كبار، فكانوا يضفون بمداخلاتهم المتعة والتشويق وخصوصا حين يكون النقاش في إطار النقط نظام المسطريه، وكان هم أغلبهم الأول القيام بدوره أحسن قيام، رغم قلة الإمكانيات المادية المتوفرة لديهم.

أما حاليا، فقد تكرست لدى عموم المواطنين صورة نمطية حول مؤسستهم التشريعية ومن يمثلهم فيها، صورة قاتمة ترسخ سلوك اللامبالاة وتعمق القطيعة بين المواطن والسياسة.

وقد أصبحت النيابة عن الأمة مرادفا للارتقاء الاجتماعي، وأصبح أغلب البرلمانيين يجسدون معاني الانتهازية والتحلل من المسؤولية.

هذه الفجوة التي كبرت بين البرلمانيين والمواطنين أفرزت إلى السطح قضية مؤرقة تتمثل في التعويضات الخيالية التي يتوصل بها البرلمانيون كل شهر فضلا عن الكلفة الباهظة التي تتحملها الخزينة العامة بشأن تقاعدهم وتأمينهم وتنقلاتهم وإيوائهم وإطعامهم وأسفارهم… دون أن يلمس المواطن أنه مسنود ببرلمان قوي يراقب الحكومة ويقوم اعوجاجها..

وبعد الاطلاع على هذه الميزانيات المرصدة للمؤسسة التشريعية، نجد أن ما تم تخصيصه منذ الولاية التشريعية الأولى 1963 إلى نهاية الولاية التشريعية السادسة 2002، أي 27 سنة من العمل البرلماني مبلغ: 4.076.101.330 درهم، بينما في المقابل خصص لأربع سنوات فقط لهذه الولاية العاشرة مبلغ: 3.277.276.000 درهم، ومن خلال ذلك تنتصب الأسئلة الكبرى: ما هو المقابل الذي يتوصل به المواطن نتيجة تحمله لهذه الكلفة الباهظة للتمثيلية البرلمانية؟ وهل الاقتصاد المغربي والناتج الداخلي الخام بالمغرب يسمح بأن تكون للمغرب هذه الأعداد الهائلة من النواب والمستشارين حتى يستفيدوا من هذه التعويضات السخية والمختلفة الأشكال والألوان لكل نائب ولكل مستشار؟

وحتى على افتراض أن “الديمقراطية المغربية” يتعين أن يكون لها كلفة، فما هو المقابل السياسي: هل هناك مساهمة للبرلمان في ضمان الاستقرار القانوني والمادي والأمني والسياسي بالبلاد؟ هل هناك تأطير للأحزاب وحضور ميداني لمنتخبيها لالتقاط وسماع نبض الشارع؟.

عبد الحي بنيس: رئيس المركز المغربي لحفظ ذاكرة البرلمان

 

 

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*