عبد الرحيم لحبيب يكتب: في زمن كورنا من غشنا فليس منا

عبد الرحيم بنشريف.
…. وَمَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا (حديث يذم الغاش، بما يفيد على أنه ليس على سنن وطريقة وصفات الإنسان السوي، الذي تنشده المجتمعات البشرية.
مناسبة هذا الحديث، أن بعض النماذج المحسوبة على الوطن والمواطن، وعلى الإنسان والإنسانية، أبانت عن معدن رخيص وانتماء مهزوز، في وقت يئن فيه العالم بأسره تحت وطأة خطر كورونا الفتاك. وترجمت هذه الشرائح الآدمية طينتها المتدنية، بسلوكيات متجذرة في نفوس كبرت وترعرعت على روح الجشع والجري وراء الربح والكسب بكل الوسائل، في لحظة انخراط جماعي، عبرت فيه كل شرائح المجتمع المغربي، وبمختلف الصيغ والأساليب والأشكال، عن التضامن والتآزر، والرقي الحضاري والإنساني، كل في حدود ما تسمح به ظروفه، لمواجهة الخطر الداهم الذي بات يتهدد الإنسان أينما ما وجد وحيث ما كان.
نعم طالعتنا هذه النماذج بأبشع صورة للتغني بالفردانية المفرطة في حب الذات وتغليب المصلحة الشخصية الملفوفة برداء الجشع المادي، على حساب مآسي ومعاناة وخوف الإنسان المغربي، ضدا على كل هذا الشعور النبيل، والاندماج التلقائي والتجاوب الكامل بين العرش والشعب، بمثابة ملحمة جديدة تنضاف إلى سجل محطات تاريخ المغاربة، وهذه المرة لمواجهة جائحة كورونا، الفيروس الذي وقفت كل الوسائل والقوى والإمكانات العلمية المادية والبشرية عبر مختلف دول المعمور، عاجزة عن التصدي له، إلى حدود الساعة.
ففي الوقت الذي تجندت كل مكونات المغرب دولة مؤسسات، سعيا من الجميع لتجاوز واحدة من أقسى وأفظع تحديات إنسان القرن 21، على أمل مواجهة فيروس كورونا اللعين، اختارت بعض الوجوه المحسوبة على الفن والثقافة، لتنجز وصلة إشهارية، لمنتوج عبارة عن معقم ومنظف يقي من شرور الفيروس، بما يفرضه من شروط النظافة والحماية من العدوى.
إلى هنا يبدو الأمر عاديا ولا يدعو للاستغراب، إلا أن الفضيحة ستنفجر لما، استفاق المواطن على حجم الجشع للشركة المنتجة، التي أمعنت في استغلال ظرفية حاجة المواطن للمنتوج، وخولت لنفسها عرض المنتوج في السوق بثمن أقل ما يقال عنه أنه بشع وموغل في الغلاء، بما يوضح بالملموس الإصرار على تصيد المواطن وابتزازه بثمن بلغ 250 درهما بزيادة مهولة عما أقرته المصالح المعنية بتحديد الأسعار في السوق الاستهلاكية الوطنية الصادرة في الجريدة الرسمية.
تجاوز الشركة المنتجة للمعقم، شأن تتكفل به مصالح المراقبة المختصة، إلا أن ما حز في نفوس المواطنين، هو أن تسوغ إحدى المحسوبات على عالم الفن وتصميم الأزياء، للمشاركة في هذا الجشع وتسمح لنفسها بالقيام بالدعاية للمنتوج دون اعتبار لمعاناة المواطن، وأن يكون همها الوحيد تحصيل مبلغ مالي لقاء دورها الإشهاري للمنتوج.
في هذا الفضاء من جريدة المنعطف، المخصص للفنانين والمبدعين، وكمساهمة من هذا المنبر الإعلامي، للتوعية والتحسيس بخطر وباء كورونا، استضافت الجريدة في السبوع المنصرم، تلة من الفنانين عبروا جميعا عن تضامنهم ومشاركتهم الفعلية في دعوة المغاربة للعمل بجد وتفاني لإنجاح كافة التدابير والترتيبات التي اتخذتها السلطات المختصة لمواجهة الفيروس عبر الالتزام بالبيوت كحل للحد من انتشاره، لا يسعنا امام إقدام مصممة الأزياء والخبيرة في شؤون اللباس والزينة، ليلى الحديوي، إلا أن نسجل تذمر المواطنين الذين عبروا عن سخطهم وامتعاضهم من سلوك شاذ ومعزول، رجح فرصة الركوب على اللحظة من أجل الارتزاق وطلب المادة عوض الانخراط في المد الجماعي لكل المغاربة ووضع اليد في اليد لتجاوز محنة كورونا.
لقد أثار ظهور ليلى الحديوي في إشهار يبتز القدرة الشرائية للمواطن، وفي هذا الظرف تحديدا، غضبا عارما وسط رواد التواصل الاجتماعي، وقوبل هذا السلوك بانتقادات تترجم معاناة الفئات العريضة من المجتمع في سبيل تحصيل قوتها اليومي، وتعالت أصوات تطالب بفتح تحقيق في السعر الذي تبيع به الشركة المعنية منتوجها.
وللأمانة الإعلامية، فقد بادرت ليلى الحديوي، إلى تدارك الموقف، عبر اثير إحدى الإذاعات الخاصة، بتقديم اعتذارها للمغاربة، موضحة أن لا علم لها بالثمن الذي حددته الشركة لعرض منتوجها في الأسواق. وهنا وجب الهمس في اذن المعنية بأن التسرع في قبول عروض الاستشهار، قد تكون خسارته أكبر من ربحه.
وفي سياق متصل تفتقت عبقرية بعض المبدعين والفنانين على إنتاج أغاني معبرة عن التضامن الواجب مع أبناء الجالية المقيمة بالخارج، مستحضرين السؤال الكبير حول ظروفهم في ظل الرعب الذي جثم بثقله على مجموع دول أوروبا وباقي دول العالم، وكتعبير حضاري من هؤلاء الفنانين على روح التآزر.
بمقابل ذلك لفت انتباه رواد التواصل الاجتماعي فيديو لمواطنة تسخر من أبناء الجالية وتبث حقدها وعدوانيتها تجاههم في هذا الظرف العصيب بحس ناقم وسلوك هجين مستهتر، وكان لزاما وضع حد لهذه المهزلة بما لها من آثار سلبية على النفوس، ووقع سلبي لما ينبغي أن تكون عليه علاقة المغاربة بعضهم ببعض خاصة في المحن والملمات. ولحس الحظ استطاعت المصالح المختصة من تحديد صاحبة التسجيل ومصدره، وفي وقت قياسي تمكنت من محاصرة المعنية، التي بادرت بعرض فيديو آخر تعتذر فيه عما بدر منها، وهو اعتذار لم يجد له صدى بالنظر لحجم وفظاعة ما أقدمت عليه.
وفي بادرة تضامنية، أعلن المركز السينمائي المغربي، في بلاغ له، أنه سيقدم عبر شبكة الانترنت، خلال فترة الحجر الصحي وإغلاق قاعات السينما وإلغاء تنظيم المهرجانات السينمائية، مجموعة من الأفلام المغربية الطويلة، وذلك ابتداء من يوم الثلاثاء 31 مارس.

وأوضح المركز، أنه اختار قائمة من الأفلام بشكل انتقائي بحيث تستجيب لأذواق الجمهور المختلفة، مشيرا إلى أن هذه القائمة تضم 25 فيلما على دعامة رقمية، منها أفلام جديدة وأخرى أقل نسبيا، والتي استكملت جميعها فترة الاستغلال التجاري، وأضاف أنه سيتم وضع كل فيلم من هذه الأفلام على الموقع الإلكتروني للمركز السينمائي المغربي طيلة مدة 48 ساعة، بحيث ستكون متاحة للمشاهدة خلال كل ساعة بالنهار وبالليل، مبرزا أن الهدف من هذه المبادرة “هو تمكين أكبر عدد من عشاق السينما بالمغرب وخارجه من إعادة مشاهدة أفلام مغربية أو اكتشاف غنى موروثنا السينمائي، وذلك بما يلائم مختلف الأذواق” .

وستعرض الأفلام وفق ترتيبها الأبجدي (حسب عناوينها بالأحرف اللاتينية)، كما سيتم نشر هذه اللائحة وتواريخ العروض على الموقع الإلكتروني للمركز www.ccm.ma ابتداء من يوم الاثنين 30 مارس على الساعة الرابعة بعد الزوال.

كما ستتم برمجة الأعمال المذكورة إلى غاية متم شهر رمضان، مع إمكانية تجديدها إذا لزم الأمر ذلك.

وخلص البلاغ إلى أن “المركز السينمائي المغربي يود أن يتوجه بالشكر لجميع ذوي حقوق هذه الأفلام الذين قبلوا بكل تلقائية وبسخاء الانخراط في هذه المبادرة وبدون أي مقابل.

مقال بجريدة المنعطف الأسبوعية في عددها الأخير 2 إلى 8 أبريل 2020.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*