من أجل إجماع وطني جديد

المصطفى المريزق

 

في ظل السيطرة الشاملة لكورونا على العالم، دعونا نحلم بالموت المبكر لهذه الجائحة؛ دعونا نحلم بالخروج غدا من بيوتنا أقوياء؛ دعونا نحلم بكسر قيود الحجر الصحي لنلتقي من جديد ونصافح بعضنا البعض؛ دعونا نحلم بالعودة إلى أحضان من نعشق ومن نحب؛ دعونا نحلم بالعودة إلى العمل؛ دعونا نحلم بغد أفضل من دون كوارث…

هكذا عدنا للحلم من جديد، ونحن نطل من الشرفات والنوافذ والسطوح على المستقبل! هكذا عدنا لننتج ما نحن في حاجة إليه ولنستهلك ما توفره لنا السوق المحلية والوطنية. وهكذا عدنا للتفكير من جديد في تطوير مسارنا الديمقراطي واصلاحاتنا الدستورية والسياسية، وريادة نظم الصحة والتعليم، واكتشاف مكانة المرأة في البيت والمجتمع، ورجوع الرجل إلى البيت، والتطلع لأفضل الحلول المرتبطة بالزراعة والطاقة والاقتصاد والديمقراطية.

وإذا آمنا بهذه الأحلام والتطلعات في فترة الحجر والطوارئ، يجب أن نستيقظ ونحن أقوياء لقيادة بلادنا نحو مجتمع التضامن والعدالة والمساواة..بالرغم من آثار الاضطرابات النفسية والاجتماعية التي ستخلفها فينا جائحة كوفيد -19. وهذا لن يتم إلا بإجماع وطني جديد…وهو ما كان يفتقد إليه المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي المغربي منذ عقود..

إن الأسلحة والمعاول والوسائل التي نوظفها اليوم لمواجهة فيروس كورونا، يجب ان نحولها إلى قوى لإنتاج الإجماع الوطني، ولضمان استمرارية حياة المغاربة.

إنه اجماع وطني جديد لتحقيق التوافق بين الثروة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي، وهو كذلك اجماع من أجل حماية الوطن من ” الخطر”، بروح جماعية، وفي تناغم مع الزمن، وفي انسجام تام مع روابط اجتماعية قادرة على خلق مغاربة جدد، ونساء عظيمات ورجال عظماء.

إنها مسؤولية تاريخية تنتظرنا جميعا، لتحقيق المساواة في الفرص والكرامة المتساوية للمغاربة، لتحقيق أنفسهم بالكامل، وتمكينهم من اكتساب استقلالهم الذاتي، وتطوير إمكاناتهم ورأسمالهم البشري، وتقوية قدرتهم على توجيه مسار وجودهم الاجتماعي نحو الأفضل.

طبعا علينا كذلك تصحيح الأخطاء والأعطاب وجبر الضرر، وتثمين الانفتاح الديمقراطي الذي شهده المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي، والذي كان نتاج عوامل تاريخية، وانعطاف تاريخي، وانفراج سياسي، وخيار استراتيحي، أطرته العديد من المقاربات القانونية و الحقوقية والاجتماعية والنسائية والثقافية.

لقد عرف المغرب كيف يحيى من جديد، في العديد من الأزمات. واليوم نريد أن نتخطى هذه الأزمة بإجماع وطني جديد، وبفلسفة جديدة تؤهلنا لصناعة مشروع اجتماعي جديد، قائم على الفصل بين السياسة والدين وبين الفاعلين البرغماتيين والأييديولوجيين.

إن إغلاق المساجد والأضرحة والمدارس، لصالح رؤية أخرى للحياة، تجعلنا نجتهد لإعادة النظر في ممارسة طقوسنا الدينية، ونعيد النظر كذلك في طريقة تعليمنا في خضم أزمة كورونا بكل ما تحمله من شكوك وقيود وحظر التنقل والتجول.

لقد أحيت فينا جائزة كورونا اتصالات جديدة بأصدقاء قدامى، وتعززت صلات عائلية كانت لوقت قريب هشة، واقتربنا من بعضنا البعض رغم اختلافاتنا السياسية الأيديولوجية والثقافية.

إن هذا العيش الجديد، وهذا التشبث بالحياة، نريده أن يتوج باجماع وطني جديد، حول رؤية جديدة، أبعد من الاشتراكية والليبرالية، وأبعد من السوسيو ليبرالية، وأبعد من “السوسيو دينية”… اجماع وطني جديد، يتجاوز الصراع بين يمين/ يسار، ويدعو إلى صياغة السؤال الاجتماعي على ضوء ما قطعته بلادنا من محطات في مسارها الديمقراطي وإصلاحاتها الدستورية السياسية.

نريد أن نعود أكثر قوة بعد الجائحة، وأن نكون أكثر انتباها للفيئات المهمشة والمستبعدة، وندبر شؤون وطننا بنفسنا، ونحافظ على استقلاليتنا تدريجيا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*