حتى لا تموت روح التضامن فينا !

حتى لا تموت روح التضامن فينا !

مرة أخرى يؤكد رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية على ضيق الأفق والارتجال في اتخاذ القرارات وعدم القدرة على ابتكار أنسب الحلول للمشاكل والأزمات، إذ قبل حتى أن تهدأ عاصفة التذمر والاستياء التي أثارها منشوره الصادر في 25 مارس 2020، الداعي إلى تجميد الترقيات المبرمجة برسم السنة المالية الجارية بالنسبة لفئات عريضة من الموظفين وإلغاء مباريات التوظيف، إلى حين أن يتم تجاوز الأزمة الصحية التي تمر منها بلادنا والعالم، جراء تفشي فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19”.

عاد يوم الثلاثاء 13 أبريل 2020 ليصدر منشورا آخر، تقرر بموجبه اقتطاع أجرة ثلاثة أيام من رواتب جميع الموظفين التابعين لمختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات الخاضعة لها، ابتداء من نهاية شهر أبريل إلى غاية نهاية شهر يونيو، دون أن يستثني هذه المرة لا أطباء وممرضين ولا أجهزة الأمن وغيرهم، معتبرا أن قرار الاقتطاع جاء في إطار تجاوبه مع ما أفصحت عنه المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية من تجند ورغبة في الانخراط في دينامية التعاون والتكافل، وتجسيدا لروح التضامن التي ما انفك الشعب المغربي يعبر عنها في العديد من المناسبات.

والتضامن كما لا يخفى على أحد من أبرز القيم الإنسانية الرفيعة التي يتصف به كل ذي أخلاق نبيلة وحس وطني صادق، وهو سلوك إنساني راق يتمثل في الاتحاد على تذليل الصعاب والتخفيف من آلام وأحزان ومعاناة المحتاجين والمتضررين من أي حدث خارج عن إرادتهم، وتقديم جميع أشكال الدعم والمساعدة بشكل طوعي. ويستمد التضامن ركائزه المتينة من كنه تعاليم ديننا الحنيف والمواثيق والقوانين الدولية، باعتباره من أهم المسؤوليات التي تقع على عاتق الأفراد والجماعات دون تمييز، كل حسب قدرته وموقعه ودوره، فضلا عن كونه يهدف إلى توطيد استقرار المجتمعات وضمان تقدمها.

وبصرف النظر عما ينص عليه الفصل 40 من الدستور المغربي، الذي يقول: “على الجميع أن يتحمل بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”. فطالما برهن المغاربة على تماسكهم وتضامنهم كلما دعت الضرورة إلى ذلك، لاسيما في الملمات والأزمات، ولا أدل على ذلك أكثر مما أبانوا عنه من غيرة وطنية وروح المسؤولية خلال هذه الظروف العصيبة، في دعم جهود مكافحة الجائحة ومواجهة تداعياتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، حيث أنهم أطلقوا حملات واسعة للعمل الإحساني والتحسيس بخطورتها، وحث المواطنين على ضرورة التقيد بتعليمات السلطات المرتبطة بالنظافة والتباعد الاجتماعي ووضع الكمامات واحترام الحجر الصحي وحظر التجول، وتظافرت جهودهم في خلق منصات للتعلم عن بعد وابتكار أنواع جديدة من الكمامات الواقية بالآلاف وأجهزة التنفس الاصطناعي وغيرها. مما دفع بعديد الصحف الدولية إلى الإشادة بما أظهره المغرب من تلاحم وتعاضد، واعتبرته درسا نموذجيا في التضامن الوطني الذي يجب الاقتداء به.
من هنا يبدو أنه من الطبيعي أن يخلف قرار الاقتطاع ردود فعل متباينة، وأن ينقسم المجتمع إلى فريقين بين موافقين ورافضين. وإذا كان المؤيدون وهم غالبا من الفئة غير المعنية بالاقتطاع يرونه قرارا صائبا، ويبنون قناعتهم اعتمادا على النص الدستوري في اتخاذ مثل هذا الإجراء في مواجهة الأعباء الناجمة عن الآفات، وأن “كوفيد 19” يندرج في إطار الآفات الخطيرة لما يشكله من تهديد لصحة المواطن وحقه في الحياة، فضلا عن الطابع الاستعجالي الذي يفرض رصد موارد مالية كفيلة بالحد من تفشي الجائحة ومجابهة تأثيراتها، معتقدين أن التضامن التلقائي وحده ليس كافيا في تعزيز المبادرة الملكية المتمثلة في الدعوة إلى إحاداث “صندوق كورونا” بتاريخ 15 مارس 2020، وبلوغ الأهداف المرسومة له في تغطية نفقات تأهيل الوسائل والآليات الصحية ودعم القطاعات الأكثر تضررا ورفع جزء من المعاناة عن الأسر المعوزة والأشخاص الفاقدين لمناصب عملهم ومصادر رزقهم…
فإن معارضي القرار من المعنيين مباشرة بالاقتطاع، يعتبرونه قرارا تعسفيا وغير مؤسس قانونيا، وأن التبرع مسألة اختيارية وليست إلزامية، بينما الاقتطاع من الأجر يخضع للمسطرة القانونية في حالة التغيب عن العمل بصفة غير مشروعة، دون أي ترخيص أو مبرر مقبول. ولا نعتقد أن هناك أحدا من الغاضبين يمتنع عن المساهمة، وإنما يرفضون منطق التسلط والانتقائية وتواصل الهجوم على مكتسباتهم وقدرتهم الشرائية المنهكة أصلا. ويتساءلون بحرقة عن دواعي عدم تعميم الاقتطاع بنسب معينة على كبار المقاولين والفلاحين وأصحاب المأذونيات ورخص النقل مقالع الرمال والصيد في أعالي البحار والمؤسسات ذات الأرباح الخرافية، والتعجيل باسترجاع الأموال المنهوبة وفرض الضريبة على الثروة وغير ذلك مما لا يحصى ويعد…؟!
إن المغاربة الشرفاء من موظفين وغيرهم سيظلون أبد الدهر مخلصين لوطنهم مهما كانت الظروف والصعاب ومهما كلفهم الأمر من تضحيات، ويعاهدون الله على أن يواصلوا ولاءهم له غير مكترثين بما يدبر لهم في الخفاء ويتلقونه من ضربات موجعة على أيدي المتخاذلين والجبناء، إلا أنهم يرفضون بشدة منطق الوصاية التي تمارسه عليهم بعض المركزيات النقابية، وأن يتم تحويل مفهوم التضامن إلى نوع من التصادم، وتصبح رواتبهم مستباحة في كل وقت وحين. ثم إذا كان لا بد من تضامن إجباري في هذه الفترة الحاسمة، فأين نحن من المساهمة حسب الاستطاعة والعدالة التضامنية؟
اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*