نوفل بلمير: كيف أنقذ المستقلون الجمهورية الفرنسية من الصراعات الحزبية؟

نوفل بلمير

حِكَمٌ فِي التَارِيخ (للاستئناس)
كيف أنقذ المستقلون الجمهورية الفرنسية من الصراعات الحزبية

المشهد الأول:
لقد عاشت فرنسا وضعاً غير مستقرٍ خلال الجمهورية الرابعة، فإلى جانب الأزمة الاقتصادية الحادة التي ضربت البلاد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عاش نظام “الجمعية البرلمانية” الذي كانت تنهجه الجمهورية الرابعة، على وقع انقسامات سياسية و صراعات حزبية أثرت بشكل كبير على استقرار المؤسسات، الشيء الذي أدى إلى تعاقب و تغيير مستمر للحكومات المتتالية (تقريبا 25 حكومة خلال حوالي12 سنة بين 1946 و 1958)، و لقد زاد هذا الوضع الداخلي تأزماً، السياسة الخارجية الفرنسية التي كانت متأثرة بوضعية المستعمرات الفرنسية في شمال إفريقيا و بالخصوص حرب الجزائر.
إلا أن هذا الوضع، لن يطيل وسينفرج، بعد تعيين الجنرال ديغول على رأس الحكومة سنة 1958 من طرف الرئيس رينيه كوتيه، و سيشكل مخرجاً وحلاً للأزمة السياسية التي كانت تمر منها فرنسا، و لقد كان أنداك شارل ديغول فاعلاً سياسياً مستقلاً عن باقي الأحزاب المهيمنة على البرلمان. هذا التعيين سيؤول فيما بعد إلى نشوء الجمهورية الخامسة والتصويت على الدستور الجديد في شتنبر 1958. الجمهورية الخامسة حققت استقراراً سياسياً واقتصادياً وأعادت فرنسا للواجهة الدولية كقوة عظمى، الجمهورية الخامسة عمرها اليوم حوالي 62 سنة.
المشهد الثاني:
خلال العشرية الأخيرة، عاشت فرنسا على وقع الأزمة الاقتصادية و المالية التي شهدها العالم منذ سنة 2008، هذه الأزمة الاقتصادية لم تسعف لا ولاية الرئيس السابق نيكولا ساركوزي ولا ولاية فرانسوا هولاند، كما أن الرئيسيين لم يتمكنا من إعادة الانتخاب لولاية رئاسية ثانية، هذه الأزمة بالقدر ما أنها خلقت تداعيات على المستويين الاجتماعي و الاقتصادي، ليس على مستوى فرنسا فقط بل على مستوى الاتحاد الأوروبي، بقدر ما أنها خلقت صراعات سياسية على مستوى الحزبين الكلاسيكيين اللذان كانا يؤثثان الساحة السياسية الفرنسية، الجميع يتذكر الخلافات التي كانت بين تياري ساركوزي و شيراك في حزب التجمع من أجل الجمهورية والاتهامات القضائية و الفضائح التي لحقت بساركوزي خلال نهاية ولايته، و كذلك نتذكر ما عانى منه فرانسوا هولاند من تمرد وزراء في حكومته و قيادات حزبية في الحزب الاشتراكي و التي كانت سبباً في عدم ترشحه لولاية ثانية.
هذه الاحتقانات الحزبية، الموغلة في الحلقيات و حرب الدسائس، لم تؤدي إلى انهيار النظام السياسي القائم، أي الجمهورية الخامسة، بل اتسع هذا النظام و تمكن من الانعتاق و الخروج من الاحتباس السياسي، متيحاً الفرصة لتوجه مستقل وسطي جديد متجسد في حركة “الجمهورية تتحرك” التي أدت إلى انتخاب امانويل ماكرون رئيساً للجمهورية. صحيح أن هذا الأخير اصطدم بتحديات اقتصادية من نوع آخر، إلا أن الغاية من وراء هذا السرد هو تبيان كيف تمكن توجه مستقل آخر من حماية الجمهورية الفرنسية مرة أخرى، رغم الاكراهات والتحديات المطروحة على المستوى الدولي.
قد يكون لهذه العبر الفرنسية، رسائل مفادها، أنه في لحظات التراشقات الحزبية و ازمة الديمقراطية التمثيلة، قد تكون وصفة “المستقلون” حلاً، بحكم تغليب المصلحة العامة عن المصلحة الحزبية الضيقة.
(تذكير: للاستئناس)

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*