المريزق يكتب: الرؤية السياسية

الجزء الثالث: 1. المعارف والرؤى
ت: الرؤية السياسية :

المصطفى المريزق

سيكون من الصعب على الطريق الرابع ، طرح رؤية سياسية متكاملة وهو ما يزال في طور النشأة و التطور، الذي بموجبه يحدد مرتكزاته، و يفكر في تحدياته، و يجتهد في طرح معارفه و أفكاره و رؤاه الخاصة.

علما أن حقل السياسة في المغرب الراهن ملغوم وغير مفكر فيه من لدن ما تبقى من اليسار الذي كان من المفترض أن يكون سبَّاقا للتركيز بشكل كبير على الوضع السياسي المتردي، لدرجة أن السياسة في المغرب جرى اختزالها إما في المعارضة من أجل المعارضة، أو في السب والتنابز و الشتم، و إما في الانتخابات و تداعياتها على الأحزاب السياسية و النقابات و جمعيات المجتمع المدني للتدبير الحكومي والصراع حوله. هكذا للأسف، تناسى الفاعل السياسي اليساري دوره الفعّال، في التأثير على الواقع الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي، مع أن الاقتصاد يبقى الحلقة الأهم في هذا التفكير، نظرا لتأثيره القوي في الأحداث والتحولات. و لا يخفى أن ترك الساحة فارغة، و السماح بظهور الظواهر الصوتية التافهة و الإعلامية المجنونة، و الشعبوية الهجينة، و الكتائب الحربائية المنافقة، أدى إلى حرمان المغاربة من الحق في مشروعهم الديمقراطي الوطني، و تأجيل طموحاتهم في العدالة الاجتماعية و المساواة.
و وعيا منه بهذه النقائص، اختار الطريق الرابع تسليط الضوء على أماكن العتمة من واقعنا الراهن، ومحاولة تفسير ما وصلنا إليه من تقهقر وتدني، بل و تجاوزه، بعيدا عن أيديولوجية “الجماهير الغفيرة” أو أي نسق فكري يهدف إلى تبرير الواقع، أو الهروب منه، أو الاختباء وراءه لأي سبب من الأسباب.

إن الطريق الرابع من هذا المنظور هو القدرة على مواجهة جملة من الإشكاليات المركبة و المعقدة، وهذا ما يجعل مهمته صعبة، لاسيما و أنه يشتغل وفق منطق عملي مستقل عن الأيديولوجيات، ويعمل على رؤى تتقاطع بين حقلين لكل منهما أسئلته المحرقة و ضوابطه المنهجية و قواعده التصورية الجديدة.

أو ما نصطلح عليه بازدواج الفكر النقدي بالعمل القاعدي.
و حريٌّ بالذكر أن كل واحد من هذه الرؤى، قد اتسم بخصوصياته منذ ولادة تجربتنا عام 2017، إلا أننا نجد أن كل رؤية من هذه الرؤى المتعددة، قد ساهمت في منحنا دروسا وعبرا حول الطبيعة المعقدة للتغيير ببلادنا.
و لما كان واقع المشهد السياسي على هذا النحو، و بدل التعاون على فهم ضعف الأحزاب السياسية و دور الحركات الاجتماعية في التحول، هرول ما تبقى من اليسار إلى العمل الحقوقي بعدما كان يعتبره نضالا بورجوازيا، خاصة مع انهيار الاتحاد السوفيتي و دول الكتلة الشرقية والقطبية الثنائية وهيمنة النظام العالمي الجديد.

وهذا ما يطرح أمام الطريق الرابع جملة أسئلة مرتبطة بسيرورة بنية اليسار المغربي الذي ظل طوال حياته مغتربا عن وطنه، و منفصلا عن مواطنيه.
لقد شكلت محطة فشل تجميع اليسار مرحلة حاسمة في إعدام حلم النهوض باليسار الجديد، و تجلى ذلك في تفتيت قيم اليسار، و تجزيئ الفكر اليساري، من خلال تناسل جماعات و مجموعات و قيادات و تننظيمات و أحزاب، من دون برنامج و لا تصور لصالح التجميع و التكامل، والنضال المشترك من أجل مصلحة الوطن.
من هنا، أتاح لنا الطريق الرابع فرصة للحديث المسؤول عن هذه المحطة المليئة بالحلم و بالجراح و الآلام و المحن، كما يتيح ذات الطريق الحديث عن مسارات التحول الديمقراطي الذي لا يهم السياسيين فقط، بل أيضا المجتمع المدني و الأكاديميين و الباحثين، و وسائل الإعلام على اختلافها.
هنا ينبغي التنبيه أيضا على أنه منذ فقد ما تبقى من اليسار إمكانية العيش المشترك مع مكونات عائلته، لم تعد له القدرة على تبني أي مقاربة يمكن اعتمادها لفهم إنتاج الثروة وضرورة توزيعها العادل، و تحقيق العدالة الاجتماعية و ربطها بالنمو الاقتصادي، و النهوض بحقوق الإنسان من أجل الوعي الحقوقي الديمقراطي، و إرساء ركائز المساواة و إصلاح نظام الميراث من دون لف أو دوران، ومواكبة مستجدات العصر مواكبة علمية نقدية بدل تبني خطابات طوباوية فارغة المحتوى.
إن المتغيرات الاقتصادية العالمية تجعلنا نعيد النظر في سياستنا، و تفرض علينا مراعاة الواقع المحلي و خصوصيات مجتمعنا، بعيدا عن سياسة التقويم الهيكلي كخيار اقتصادي رغم الوضع الاجتماعي المحتقن.
إن الطريق الرابع يطرح أسئلة تكتسي أحيانا راهنية حقيقية، من قبيل كيف يمكن أن يتحول المغرب من دولة تبعية إلى دولة الرفاهية و الاكتفاء الذاتي و التنمية الإنسانية الشاملة.
وتجدر الإشارة إلى أن حفرنا في التراث الفكري المغربي ، قد مكننا من العثور على مصادر مهمة من الدراسات و المعلومات المغربية، متفرقة، لكنها موضوعية، قد تساعدنا على إنتاج اختيارات أخرى جديدة، و هي في غالبيتها الساحقة من تأليف مغاربة من ذوي الاختصاص في حقول معرفية مختلفة، تتسم إنتاجاتهم بالعمق و بقيمها الفكرية النقدية و التوثيقية.
فالطريق الرابع قد انتبه إلى أن الساحة المغربية تزخر بإرث ثقافي و إنساني لا ساحل له، في حقل الاقتصاد و القانون و التاريخ و الجغرافيا و السوسيولوجيا و الأنثربولوجيا و الإحصاء و الثقافة، و كلها إنتاجات قد تتيح لنا فرصة جديدة لقيام نهضة إصلاح حقيقية، لمواجهة عالم متسارع التغيير ومحتدم الخطر بالتفكير النقدي، و بالانفتاح على إرادة التجديد والإبداع و التطوير، والإيمان بمنطق التحول و التغيير.، مادامت هناك مكتسبات على قدر كبير من الأهمية، يجب الحفاظ عليها، إذ هي بالنسبة للطريق الرابع محطة سياسية بارزة في مسار استكمال بناء دولة الحق و القانون و المؤسسات، لا بد من الإيمان بها إيمانا عميقا لتجاوز أزمة و استراتيجية ما تبقى من اليسار، و تخطي خطاب العنف و التطرف و الكراهية، في مغرب اختار الانفتاح بحكم موقعه الجغرافي القريب من دول البحر الأبيض المتوسط، و بحكم الذاكرة المشتركة مع العديد من دول أوروبا ،،(فرنسا، إسبانيا، البرتغال، بلجيكا، ألمانيا، هولاندا، إيطاليا، وغيرها من دول الجوار الأوروبي)…
إن هذه المكتسبات أنجبت جيلا جديدا من النساء و الشباب و الأطر، يتطلع اليوم لترسيخ مبادئ و آليات الحكامة الجيدة، حتى تتاح له فرصة المساواة لتوفير متطلبات عيشه الكريم، و يحلم بالحرية الفردية والجماعية و الثورة الرقمية، و تحقيق العدالة الاجتماعية. و في هذا السياق، و سيرا على درب ديناميات الإصلاح، و رصد النواقص و البحث عن أشكال معالجاتها، فإن الطريق الرابع يقترح نموذجا تنمويا يقطع مع النموذج الليبرالي السائد عالميا، يستحضر البعد الإيكولوجي في كل المخططات و المشاريع، يركز على البعد الاجتماعي كعنصر أساسي لتحقيق التنمية بما يحقق العدالة الاجتماعية و المجالية، و ذلك بتلبية الحاجيات الضرورية للعيش الكريم من شغل و صحة و تعليم و سكن، يقطع مع اقتصاد الريع، يحقق العدل و المساواة ، و تكافؤ الفرص، و يستحضر البعد الثقافي و تيسير سبل المعرفة من أجل تحقيق المواطنة الفاعلة و القادرة على استيعاب المشاركة السياسية المبدعة في تحقيق التنمية المستدامة.
إن وراء الأبعاد التنموية التي يقترحها الطريق الرابع، اهتماما خاصا بالأبعاد الاقتصادية و المؤسساتية، للبحث عن مقاربات شاملة واقعية للرؤية الاقتصادية من حيث الإنتاج و إعادة الإنتاج الاجتماعي، لضمان الحقوق الأساسية التي شكلت الأهداف والمنطلقات الأولى لطريقنا الرابع منذ 2017، والمتمثلة في حق الجميع في الصحة و التعليم و الشغل و السكن، مادام قد ولى عهد الأنظمة الحديدية، و بات الانتقال إلى الديمقراطية رهينا بمدى التطور الاجتماعي – الاقتصادي، هذا الرهان الذي عجز عن تمثله و فهمه ما تبقى من اليسار، و لم يَعِ بعدُ، أنه انتهى زمن التقليد و النقل، حيث لم يعد مستساغا نقل أي نموذج برّاني، أو أي تحول من بلد ما و محاولة تطبيقه في بلدنا، خاصة و أن العهد الجديد لا يرضى بأن يصير المغرب بزخمه الحضاري مجرد حقل للتجارب المنفصلة عن خصوصيته.
إن الراهن المغربي، يقتضي أن يكون هناك تفاعل جدلي بين من يفكر و بين من يمارس و بين من يفعل و يؤثر في الواقع. و الطريق الرابع يريد استحضار السمات البارزة لعملية هذا التحول، الذي يجب أن يعززه نضال الفلاحين في المغرب القروي وسكان الجبل والواحات والسهول والسهوب، والعمال والشباب والنساء في المدن وضواحيها، من دون قطيعة كاملة و مفاجئة مع الماضي، من أجل “تحول تفاوضي” موصول و ملتزم بالديمقراطية، و حماية الحقوق الفئوية، و إدماج و تعزيز مقاربة النوع الاجتماعي في جميع أطوار مسلسل التخطيط و البرمجة الميزانياتية لجميع القطاعات. مادام النضال الميداني المستمر إلى جانب الناس، هو الكفيل لتغيير الأنماط الاقتصادية والاجتماعية التقليدية والمترسخة منذ عقود من الزمن.


يتبع

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*